Navigation

37452087 عدد الزوار

الأحد، ۱۹ تشرين۲/نوفمبر ۲۰۱۷



   وفيما كنا على أحر من الجمر، ننتظر سماع نهاية القصة، قطعت الساعة حديثها، وأخذت تضحك وكأنما أصابها مسّ من الجنون، ولم تهدأ إلا بعد أن ألحينا عليها معرفة سبب هذا الضحك، فتنهدت وأخذت نفساً عميقاً وتابعت حديثها والفرحة تغمرها، قائلة:
   هكذا ضحكت لحظة وصول موكب الرئيس إلى ساحة التل، فالجماهير الهادئة، تحولت فجأة إلى أمواج هادرة في بحر ضربته عاصفة مجنونة هوجاء، وكانت صيحات الاستنكار وعبارات العداء ضد فرنسا تشق عنان السماء، وبلغ الحماس في الجماهير التي أخذت تنشد: "هاشم بك يا عزيز، لا تنسانا في باريس، بدنا الوحدة السورية، إسلام ومسيحية"، وراحوا يرشقون موكب الرئيس بالبيض والبندورة والبطاطا. الأمر الذي أفقد الرئيس اده أعصابه فخارت قواه ولم يعد بإمكانه الوقوف على رجليه، فأسرع مرافقوه، فحضنوه وصعدوا به إلى السراي، ليجد نفسه سجيناً في غرفة تحت حراسة الحراب الفرنسية، متوارياً من غضب الجماهير الوطنية.
* * *
نهاية الحلم بالوحدة
   الوفد عاد من دمشق مثقلاً بالهموم

   وظلت طرابلس، تقارع الانتداب الفرنسي، تحت شعار العودة إلى سوريا الأم، إلى أن ذهب وفد سوري يضم كبار الشخصيات من أركان الكتلة الوطنية، إلى باريس برئاسة هاشم الأتاسي، لإجراء مفاوضات مع الفرنسيين على الاستقلال.
   وبعد ان عاد الوفد، كان لا بد من زيارة دمشق للتهنئة والإطمئنان إلى المصير.
   في هذا الوقت، كانت العلاقة بين المغفور لهما عبد الحميد كرامي والدكتور عبد اللطيف بيسار، تمر في فترة جفاء، وحتى تتمكن طرابلس من إرسال وفد إلى دمشق، متجانس متفاهم، كان لا بد من إجراء مصالحة بين هذين القطبين، فقام نفر من كرام شخصيات المدينة، بمسعى حميد، فتمت على أثره المصالحة في اجتماع عام في جامع سير – الضنية، وعمت الفرحة المدينة بعودة الألفة والمحبة، والعمل المشترك لما فيه خير طرابلس.
   وقد قصد وفد طرابلسي، على رتل كبير من السيارات، دمشق، يتقدمه كرامي والبيسار، وهناك حاولوا معرفة ما آلت إليه المفاوضات في باريس، غير أنهم لم يحصلوا سوى على أجوبة غامضة غير صريحة، وكان أحد زعماء الوفد السوري، جميل مردم بك يتدخل، بدبلوماسيته المعروفة، ويخاطب الطرابلسيين: "لو أنتم تخليتم عنا، فلن نتخلى عنكم"... وهذا في الواقع كان خلافاً لما اتفق عليه في باريس من أن ما سلخ عن سوريا وضم إلى لبنان، قد انتهى أمره ولا رجوع عنه، وأن الوفد السوري قبل بهذا الواقع!...
   وعاد الوفد الطرابلسي من دمشق قلقاً، مثقلاً بالهموم، تتقاذفه أمواج الحيرة، إذ لم يحصل على جواب صريح واضح... وكان ان ظلت طرابلس تقاوم المحتل الفرنسي، وتحلم بالعودة إلى الوطن الأم..
* * *
الاضراب الكبير
   براكين الغضب تتفجر إحتجاجاً على فصل طرابلس عن سوريا

   في العام 1936، تفجر بركان الغضب في طرابلس، حيث دعا زعماؤها إلى الإضراب العام إحتجاجاً على فصل طرابلس عن وطنها الأم سوريا، وتطالب بالوحدة السورية، واستمر الاضراب زهاء أربعين يوماً، تخلله صدامات مع السلطات الفرنسية.
   وكان الاهلون قد اعتصموا في أحياء المدينة القديمة، حيث كان يصعب على قوات السلطة اقتحامها لضيق شوارعها وتعذر سير الآليات فيها، وشكلوا لجاناً شعبية كانت تجمع التبرعات وتشتري بها موداً غذائية وتوزعها على المحتاجين.
   وقد إستنفد الفرنسيون جميع أساليب الترغيب والترهيب، لحل الاضراب، فلم يفلحوا فلجأوا إلى اعتقال زعماء المدينة ممن يقطنون خارج الأحياء الداخلية، وعلى رأسهم المغفور لهما الزعيم عبد الحميد كرامي والدكتور عبد اللطيف بيسار، حيث أبعدا إلى جزيرة أرواد.
   وما كانت هذه الإعتقالات إلا لتزيد من حماس الطرابلسيين في متابعة الاضراب وتصعيده ومن الطريف أن الشباب الذين كانوا يجلسون وراء المتاريس في الاسواق الداخلية، لا يملكون أكثر من مسدسات صغيرة وبنادق صيد لا يمكن أن تقف بوجه أي هجوم قد تقوم به قوات السلطة، فقد عمدوا إلى وضع قطع من مزاريب المياه فوق أكياس المتاريس لايهام السلطة بأنها فوهات مدافع، كما كانوا يتظاهرون بحمل قساطل المياه الرفيعة، على أنها بنادق حربية!..
* * *
بعثة التنفيس
   نهاية الحلم بالوحدة

   وأخيراً كان لا بد من حل، فلقد اتجه الفرنسيون صوب دمشق حيث أقنعوا قادة الكتلة الوطنية يومذاك بأن لا سبيل لتحقيق مطالب طرابلس، بأي شكل من الأشكال، وأن القرار الدولي بسلخ الأقضية الأربعة عن سوريا وضمها إلى لبنان، لا رجوع عنه، وإن على أركان الكتلة الوطنية في سوريا أن يقنعوا الطرابلسيين بحل الاضراب، والا ستجد السلطة الفرنسية نفسها مضطرة لاقتحام المدينة...
   وقد أخذ أركان الكتلة الوطنية هذا التحذير، على محمل الجد وليجنبوا طرابلس مأساة دامية قد يذهب ضحيتها عدد كبير من المواطنين فقد حضر إلى طرابلس كل من جميل مردم بك وسعد الله الجابري ورياض الصلح، واجتمعوا إلى الطرابلسيين الذين اكتظ بهم الجامع المنصوري الكبير، وأقنعوهم بضرورة حل الاضراب وأن سوريا لن تنساهم، إلى آخر معزوفة الوداع... التي انتهت ببكاء الجماهير، وهي تلحق بركب موكب الزعماء وهم يصيحون: لا تنسونا... لا تنسونا!...
* * *
نضال مستمر
   الورد فتح فوق بيت كرامي

   وكم كنت أرقص فرحاً، عندما كنت أشارك نضال الشعب الطرابلسي ضد الانتداب الفرنسي، فكنت أشاهد التظاهرات الصاخبة والاشتباكات الدامية بين المواطنين والقوى الفرنسية، وكانت الحشود التي تخترق ساحة التل بالهتاف "الورد فتح فوق بيت كرامي... وبدنا الوحدة السورية، إسلام ومسيحية". ليستقر بها المقام أمام قصر الزعيم الرمز المغفور له عبد الحميد كرامي، فتأخذني النشوة والطرب، لما أسمعه من أقوال حماسية، وصيحات غضب ضد المنتدب!..
   وكم كانت تتحول تلك المظاهرات إلى صدامات دامية، بين الجماهير وقوات السلطة، والتي ذهب ضحيتها العديد من الرجال والطلاب والأطفال تحت جنازير الدبابات خاصةً وأن الفرنسيين كانوا قد فقدوا وطنهم في الحرب العالمية الثانية بعد أن احتله الالمان، فكانت تصرفاتهم قاسية شرسة، وكأن الشعب الطرابلسي هو المانيا التي إحتلت بلدهم غير أن ذلك لم يطل، فقد غادروا البلاد من غير رجعة، بعد إنتهاء الحرب، ونال لبنان إستقلاله...
* * *
الملك فيصل في طرابلس
   "الفيصلية" نسبة للملك فيصل

              يتبع...