Navigation

33479837 عدد الزوار

الخميس، ۱۷ آب/أغسطس ۲۰۱۷



كلمة دولة الرئيس نجيب ميقاتي

أشعر اليوم ، وأنا أشارك في افتتاح مؤتمركم، بفخر كبير لأنني أنتمي الى طرابلس الفيحاء، مدينة العيش الواحد، التي تجسد صورة لبنان الواحد . ولأنكم أدركتم ما تمثل هذه المدينة من قيم وحضارة وتاريخ ، أتيتم اليوم اليها ، بدعوة من "جمعية العزم والسعادة الاجتماعية"، و"المركز الثقافي للحوار والدراسات"،  لتشهدوا ، من خلال هذا المؤتمر الرائد، على تاريخها العريق وعلى ارادة شعب آمن بالقدر المشترك، وبالمصير الواحد.
حسناً فعلتم في اختيار موضوع هذا المؤتمر ، لأن طرابلس ، تمثل ، على مستوى اهلها وعائلاتها وتاريخها ، نموذجاً متقدماً في العيش الواحد على الرغم مما تعرضت له من اهمال ، وما تتعرض له من تشويه. ولقد نسج الطرابلسيون بين بعضهم البعض عيشا واحدا تجسد على مرّ الزمن ، عبر تقاليد عريقة وراسخة من العلاقات والأخوة ، قوامها التسامح والانفتاح والتعاون بين مختلف العائلات . فشكراً لحضوركم، وتحية امتنان الى منظمي المؤتمر والمشاركين في حلقاته الحوارية، الذين سيقدمون اضافات تبرز ما لطرابلس خصوصا وللشمال عموما، من رمزية يتطلع اليها اللبنانيون لمستقبل وطنهم ودوره.

وقال :  إن إحياء التراث الثقافي بالنسبة للمدن العريقة ، يشكل  المادة الاساسية لهويتها، كما أن مبادرة الاخوة في المركز الثقافي للحوار والدراسات الى إحياء التراث الوثائقي والثقافي هي ضرورة حضارية لمدينة طرابلس التي تمتلك إرثا ضخما من الوثائق ومن الآثار التي تشكل في حد ذاتها متحفا حيا يضج بالحياة،  كان في ذاكرة من سبقونا وسعوا للحفاظ عليه ، ومنعه من السقوط في الاهمال  والنسيان والضياع. ونحن سنتابع المسيرة ، إن شاء الله بانشاء "المتحف الدائم للتراث الثقافي والوثائقي" في طرابلس . وعلى خط مواز علينا العمل جميعا  للحفاظ على التراث المعماري الذي تكتنزه المدينة ، وهذا الأمر نضعه أمانة  في عهدتكم يا معالي الوزير ، وإنكم ستعملون من دون شك للحفاظ عليه . ومن ناحيتنا سنضع امكاناتنا في تصرفكم .

أضاف : إن هذه القيم والمرتكزات التي قامت عليها طرابلس عبر التاريخ، واستمرت في الحاضر، تشكل كلها أسس الوسطية التي هي حاضنة العيش المشترك والتي  تعكس رغبات أبناء شعبنا في أن يكون لهم خيارهم الحر النابع عن قناعتهم  الذاتية ، فلا يصنفون عنوة مع هذا الفريق أو ذاك، فيما هم يشكلون في حد ذاتهم، حالة خاصة لها نظرتها وقناعاتها التي لا يجوز أن تحتكرها جماعة، أو تهيمن عليها أخرى.
إن الوسطية ، التي قيل فيها أنها سلوك متزن قائم على ارساء اسلوب الحوار بعيدا عن الغلو والتطرف والعناد في الرأي ، تعني أيضا الاستقلالية في الالتزام ، والأقرب الى العدل والعدالة والاعتدال، والبعيدة كل البعد عن المساومات الرخصية التي تؤول بالنتيجة الى إصطفاف هنا أو ذوبان هناك.

ولأننا نسعى من خلال الوسطية الى احتضان هواجس الناس وقلقهم وأوجاعهم، كما قلنا في أكثر من مناسبة، فاننا دعونا الى أن تكون خيارات الطرابلسيين في الاستحقاق الانتخابي المقبل، وليدة قناعاتهم الراسخة ، وثقتهم الأكيدة بما يمكن أن يقدمه ممثلو مدينتهم في الندوة البرلمانية خصوصا، وكل الساحة الوطنية عموما، من افكار ومواقف ومشاريع انمائية ، فضلا عما يجسده هؤلاء من اعتدال وقيم اخلاقية ومناقبية عالية تؤسس لثقة بين المواطن وممثله في مجلس النواب فيبقى وفيا للامانة التي يحملها وجديرا بالثقة التي وضعها الشعب فيه.
من هذا المنطلق ، يجب أن تفهم ، أيها الاخوة والاخوات، مقاربتنا للاستحقاق الانتخابي المقبل والتي ترتكز  أساسا على احترامنا لارادة أهلنا أبناء طرابلس ، وحقهم في اختيار ممثليهم ،  واننا على يقين بأن خيارات  أبناء طرابس الشرفاء، صافية ووطنية لانها نابعة من التاريخ المشرّف لهذه المدينة الغالية.

وقال : عندما اخترتم "طرابلس عيش واحد" عنوانا لمؤتمركم، يحضرني  قول للمغفور له الرئيس صائب سلام قال فيه  "لبنان  لا يقوم إلاّ بجناحيه المسلم و المسيحي" ، ولا شك أنكم  أردتم أن تبرزوا أهمية دور مدينتنا لتنطلقوا للدعوة الى تعميم النموذج الطرابلسي والشمالي على كل لبنان. حسبي أن أذكّركم أن لوطننا خصائص كثيرة هي ثمرة نضال طويل قاده رجال كبار وأفرز بلدا متعدد الطوائف في صيغة فريدة تحترم الهوية الثقافية لكل طائفة فيه.  وهذه الهيكلية المتعددة الطوائف هي التي تسمح بالعيش المشترك الاسلامي - المسيحي في مناخ  من الحرية والمساواة والتعاون المخلص.
فحذار أولا ، أن يجنح اللبنانيون ، أو فريق منهم نحو ممارسات تهدد هذه الصيغة أو تجرّحها سواء من خلال الدعوات السياسية الملتبسة ، أو الممارسات الطائفية المشبوهة.
وحذار ثانيا ، من أن تدفع المصالح الفئوية والمكتسبات الذاتية  الى تشجيع محاولات عزل طوائفنا على ذاتها بحجة الدفاع عن مصالحها.
وحذار ثالثا، من تغليب الانتماء الطائفي على الانتماء الوطني، لأن في هذا السلوك، تغليبا للولاء  للطائفة على الولاء  للوطن الذي شكل اتفاق الطائف القاعدة المتينة له ، في اطار من الديمقراطية التوافقية  القائمة على الحرية والعدالة والمساواة، وهي الأسس نفسها التي يقوم عليها خيار الوسطية.
لقد علمتنا الحرب التي كادت أن تقضي على عيشنا المشترك، كيف نحمي هذه الميزة الفريدة، ونحن مدعوون اليوم الى تجديد هذه التجربة ، لأن فيها ضمانة لمستقبل اللبنانيين من  دون تمييز، وضرورة أيضا لمحيطهم العربي، وإرادة طوعية  لتجاوز هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة.  فالتجربة اللبنانية  ليست فقط للداخل اللبناني، بل هي من خلال صيغتها  المتجددة ، النموذج الذي يمكن للعالم العربي الافادة منه لأنه حاجة للمجتمعات التي تتميز بالتنوع والتعدد.

وختم بالقول : أني ، اذ أتمنى لمؤتمركم النجاح، آمل أن تحمل توصياتكم التجربة الطرابلسية الى العيش الواحد، الى الوطن كله، ولتكن الدعوة  الأكثر ابرازا فيها هي لهدم الجدران التي تفصل بين اللبنانيين وازالة الحدود المصطنعة، والنفسية، والمادية إن وجدت، ويكون المرتجى تقوية الوحدة بين اللبنانيين، لأن في الاتحاد قوة ، ولأن  يد الله مع الجماعة... وفقكم الله لما فيه مرضاته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.