Navigation

33479860 عدد الزوار

الخميس، ۱۷ آب/أغسطس ۲۰۱۷



كلمة معالي الأستاذ تمام سلام
وزير الثقافة
في مؤتمر طرابلس عيش واحد 28 آذار 2009

يسعدني أن أكون بينكم اليوم في طرابلس الفيحاء، هذه المدينة العريقة بأصالتها، المميّزة بطيبة أهلها، التي تجسّد الكثير من مفاهيم وحدة لبنان، وتنوّع وغنى المكوّنات المجتمعيّة فيه.
ويشرّفني أن ألبّي دعوة جمعيّة العزم والسعادة، والرئيس نجيب ميقاتي، إلى حفل إفتتاح مؤتمر "طرابلس عيشٌ واحد"، الذي تشارك فيه نُخبةٌ من القيادات الفكريّة تحت شعارات التسامح والوسطيّة والإعتدال. فطرابلس، ما كانت يوماً إلاّ مدينة الإنفتاح على الوطن، وما كانت تاريخياً، إلاّ المدينة المؤتمنة على العروبة ووحدةِ العيش بين جميع أبنائها.
إنّه قدر المدن الساحليّة في لبنان، التي تميّزت دائماً بقدرتها على استيعاب كل التنوّع والأطياف اللبنانيّة، بتسامح وثقة بنسيجها الوطني، والمصالح الوطنيّة التي تجمعُها.
هكذا هي بيروت، وهكذا هي صيدا وجبيل وصور، تترابط كحبّات عقدِ التواصل بين جميع فئات الوطن. وهكذا هي البلدات الأخرى، تأخذ نصيبها من هذه المعادلة، والدور الذي كان الضمانةَ في منع تقطيع أوصالِ الوطن.
إنّ طرابلس عاصمة الشمال، تنبض بأهلنا في هذه المنطقة العزيزة، يعيشون فيها بسلام آمنين، فهي تمثل تراثَهم وقيمَهم وأخلاقَهم، وهي الشعلةُ في حضورها الوطني، رغم ما تحمّلتهُ من حالات الحرمان، الذي دفع بأبنائها إلى الغربة أو الهجرة في الوطن، ورغم ما عانته من تقصيرٍ إنمائي منذ الإستقلال وحتّى اليوم.
العيشُ الواحد لم يكن يوماً شعاراً ظرفيّاً في هذه المدينة الصامدة والصابرة. فالمدينة إجتازت إمتحانات الحياة المجتمعيّة والحياة السياسيّة بجدارة، واستطاعت رغم ما مر به الوطن من خضّاتٍ وأزمات، أن تحافظَ على وحدة أبنائها بخاصّة، وأبناء الشمال بعامّة، حتّى في أحلك أيّام الحرب اللبنانيّة. فما عاشت الحواجز...بل لعلّها وفي فترات عصيبة دفعت ثمن هذا العيش غالياً عند حواجز الآخرين، فما تغيّرت وما تبدّلت وما سمحت لأي تحريض أن ينال مِنعتَها.
لا أعتقد أنّ من أهداف هذا المؤتمر تحديدَ عناصر العيش الواحد، لأنّ أيَّ تحديد سينتقص من القيمة الكليّة لهذا العيش، فهو إمّا يكونُ واحداً أو لا يكون. ولكنّني أدركُ أهميّة الأهداف، التي تريد تعزيزَ مناخِ الوحدة في طرابلس والشمال، بعد ما مرّت به المدينةُ وشمالُها، من مؤامرةٍ خطيرة استهدفت جيشَنا الوطني في مخيّم نهر البارد وما تلا ذلك من أحداثٍ مفتعلة في أحياء المدينة القديمة.
لقد استطاعت قياداتُ المدينة أن تتصدى لما كان يُحاكُ لها في الخفاء، وما يسعى إليه دعاةُ الفتنة لشق صفوفِ أبنائها، فتمكّنت المساعي الخيّرةُ من قطع دابر الفتنة. وتمكّن العاقلون، وهم كثيرون والحمد لله، من إطلاق حملة محبةٍ وسلام، توجتها مساعي رئيس تيّار المستقبل النائب سعد الحريري، في إنتاج وثيقة المصالحة في المدينة، والتي تم توقيعُها في منزل سماحة مفتي طرابلس الشيخ مالك الشعار.
ولا يستغربنَّ أحدٌ مثلَ هذه الوثيقة، لأنّ قوى المجتمع الحيّة وقياداتِه قادرةٌ في كلّ وقت على الإمساك بزمام الأمور وتصحيح المسار، ولاسيّما عندما يتهدّد العيش الواحد. أنّه قدرُ اللبنانيّين، ولكنّه أيضًا خيارُهم الحرّ. لقد خبروا العيشَ الواحد، بحريّة ومسؤوليّة على مدى قرونٍ طويلة، فكانت حقباتٌ مضيئة، لم تخلُ من بعض الصعوبات. لذلك، فهم اليوم يتحمّلون مسؤوليّةَ ترسيخِ هذا العيش، وتخطّي ما لحق به من خللٍ ومشاكل، لأنّ ما يجمعُ بينهم هو أكثرُ مما يفرّق، أنّه الإيمان بالله الواحد، والانتماءُ إلى وطنٍ واحد، والارتباطُ بمصير واحد.
أيّها الإخوة الكرام،
يمرّ لبنان اليوم في مرحلةٍ مصيريّة، تحتاج إلى جهد كل لبناني، أيّاً كان موقعُه، وهي مرحلة الخيارات الوطنيّة لمن سيمثّل السلطة التشريعيّة في لبنان في السنوات المقبلة. إنّنا نتمنّى أن تكون الخيارات خارج إطار فرزٍ يهدّدُ العيشَ الواحد، ونريدها خياراتٍ حاسمةً في ما يعزّز الوحدة الوطنية اللبنانيّة، ومكاسب الإستقلال، والسيادة والحريّة والعدالة.
إنّها مرحلة الإنتقال من العيش الواحد، إلى صيغة المواطن الواحد في حقوقِه، الآمنِ لمستقبلِه، الممثَّل بقياداته، المطمئن للعدالة والإنماء في وطنه، فوق كلّ انتماء طائفي أو مذهبي أو مناطقي. هذا هو العيشُ الواحد في أحسنِ صوره. عندها سنرى بسمةَ الرضا على وجوه أهلِنا في طرابلس، يردّدون قولَ المتنبي: 
أكارمٌ حسدَ الأرضَ السَّماءُ بهمْ                وقصَّرتْ كلُّ مِصْرٍ عن طرابُلُسِ
والسلام عليكم....