Navigation

33479898 عدد الزوار

الخميس، ۱۷ آب/أغسطس ۲۰۱۷



دولة الرئيس الأستاذ نجيب ميقاتي راعي هذا المؤتمر
معالي وزير الثقافة الأستاذ تمام سلام المحترم


أيها الأخوة الأكارم

نلتقي اليوم في رحاب مدينة طرابلس، مدينة العلم والعلماء، مدينة ماضيها يذخر بصفحات ناصعة، وبقامات شامخة، وبإرادة قوية، ومشاريع تنموية، حققها أجدادنا بفخر واعتزاز. أما حاضرها فيبعث على الخوف والقلق، لكثرة الخلافات، ويفتقد الرؤية الواحدة والهدف المشترك.
ولذلك فإن مستقبلها غامض ومقلق، مصيرها مرتبط بنا بشكل مباشر. إذا نحن أحسنّا قراءة الماضي، والاستفادة من عبره وإشراقاته. وإذا اتفقنا على تحديد الرؤية والأهداف، وعملنا لذلك بجد وحزم، نكون قد وضعنا القطار على السكة، لننطلق به جميعاً، يداً بيد نحو مستقبل مشرق، بإذن الله.
لقد حفل ماضي المدينة، برجالات كثيرين، رفعوا من شأنها، لأنهم كانوا متعاونين إلى أقصى الحدود، يفكرون سوياً، ويعملون سوياً، همهم شأن المدينة وأهلها جميعاً. آمنوا بأنّ يد الله مع الجماعة، أيقنوا أن الحاضر والمستقبل بيدهم مجتمعين، يبنونه بكل ثقة وإرادة، فعملوا لذلك بصدق وإخلاص.
بنوا المستشفى الإسلامي وسمّوه مشروع قرش الفقير، ليكون لجميع الفقراء والمحتاجين في أيامهم ولمن بعدهم.
جعلوا المدينة قبلة للتجار، فأقاموا فيها مرفأً، وعملوا على تطويره ليكون منطلقاً لتجار السواحل اللبنانية والسورية والفلسطينية إلى أوروبا والعالم، وكانت توسعته الأخيرة منذ بضع سنوات، بناء لمخططات وضعوها منذ أكثر من ستين عاماً!!
أقاموا في المدينة مشروعهم لسكة الحديد، فاستحصلوا على ترخيص عثماني بمبادرة فردية، وجمعوا الأموال فيما بينهم مسلمين ومسيحيين، في شركة مساهمة، وأنشاؤا أول خط حديدي يربط طرابلس بالشام، ومنها إلى العالم الشرقي وعلى الأخص بلاد الحجاز لأداء فريضة الحج، ولتوسيع نشاطهم التجاري.
أقاموا شركاتهم الخاصة للكهرباء والماء، واستقدموا الخبراء والأخصائيين، وإقاموا مختلف معامل الإنتاج الكبيرة في ضواحي المدينة، وأوجدوا آلاف فرص العمل لأبنائها.
لم ينتظروا مشاريع الدولة، ولا مجالسها، ولا تمويلها وموازناتها، ولم ينتظروا قرارات سياسية، قد تأتي وقد لا تأتي، بل قاموا بمبادرات فردية، تؤازرها رغبة جماعية، وإرادة حديدية وتعاون بلا حدود، فكان لهم ما أرادوا.
ذلك هو الماضي المشرِّف، وكذلك كان أجدادنا، نفخر بهم ونعتز بإنجازاتهم.
أما الحاضر، فلن أسترسل في وصفه، لأننا جميعاً نحياه يوماً بيوم، وساعة بساعة، تمزقٌ واختلاف، وإغلاقٌ للمؤسسات وفقدان لفرص العمل، وهجرةٌ كثيفةٌ إلى الخارج، بحثاً عن لقمة العيش.


أيها الإخوة الأكارم

إن المدن العريقة هي المدن التي تنبض ذاكرتها بالقيم والمبادئ السمحة وبالعلم والعمران وهي التي تحتفظ بتاريخها الناصع لتستمد منه قوة الصمود عند المحن وعند الشدائد. وما نحن بصدده في هذا المؤتمر من ذاكرة الماضي في بناء المدينة ومرافقها وفي نسيج العلاقات بين المسلمين والمسيحيين إنما هو تأكيد أن عمران المدينه والعيش الواحد فيها بين مختلف الطوائف والأطياف، ليس وليد فترة معينة وحسب، إنما يستمد جذوره من التاريخ المشرّف، ويرقى إلى مئات السنين وهذا كله يتجسد روحاً ونصاً ومضموناً في وثائق تاريخية، يجب أن نبرزها بكل صدق و موضوعية في سبيل تقوية دعائم الوحدة الوطنية، وفي سبيل إنطلاقة عمرانية علمية ومعرفية جديده لهذه المدينة تعيد لها مجدها التليد.



وإذا ما شابت الماضي بعض الغيوم التي تركت أحياناً أثراً سلبياً عند فئة أو أخرى فعلينا جميعاً أن نجلو آثارها ونعمل سوياً على الخروج من تداعياتها لأن الإنسان في حياته وحاضره وإبداعه إنما يستند غالباً على أسس من الماضي، وعلى إنجازات سبقت. لذلك علينا أن نجعل من الماضي كتاباً مفتوحاً نأخذ منه العبر ونهتدي به في دروب الحاضر والمستقبل فنتجنّب السلبيات ونتعاهد على معالجتها والحؤول دون تجدد مسبباتها، ونطور الإيجابيات ونعمل على تكريسها ونمائها لنضمن العيش الكريم لانفسنا، والمستقبل المشرق للأجيال القادمة من بعدنا.

وفقنا الله وإياكم لكل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته