Navigation

35710011 عدد الزوار

الثلاثاء، ۲٤ تشرين۱/أكتوير ۲۰۱۷



كلمة الدكتور عبد الغني عماد رئيس المركز الثقافي للحوار والدراسات
دولة الرئيس نجيب ميقاتي راعي هذا المؤتمر
معالي وزير الثقافة الأستاذ تمام سلام المحترم
صاحب السماحة
أصحاب المعالي والسعادة والسيادة والفضيلة
ضيوف طرابلس الأكارم
أيها الحفل الكريم

يسرني أن أرحب بكم جميعاً في مؤتمر طرابلس عيش واحد، هذا المؤتمر الذي أردناه في المركز الثقافي للحوار والدراسات الإطلالة الأولى لعمل مركزنا معززاً بعمل مشترك مع الأخوة الأفاضل في جمعية العزم والسعادة الإجتماعية.
لم يكن إختيارنا لموضوع المؤتمر أيها الحفل الكريم عملاً متسرعاً يستهدف إستعراضاً إعلامياً، كما لم يكن إختياراً عشوائياً لموضوع إشكالي في لبنان، وما أكثرها المواضيع الإشكالية في لبنان، وإنما كان إختياراً مدروساً  يستهدف فيما يستهدف، إحياء النقاش حول مسألة العيش الواحد التي يكاد ضجيج الإنقسامات والإصطفافات والولاءات أن يطيح بها.
نعم لقد إخترنا العيش الواحد كقضية، وليس كموضوع لمؤتمر يستمر مفعوله ليومين أوأكثر قليلاً. إخترناها كقضية لسبب بسيط وهو أنه لا قيامة للبنان ولا إستقرار فيه بدون العيش الواحد.
وإذا كان لبنان يعيش على تخوم الموت منذ سبعينات القرن الماضي ويترجح على شفير الهاوية طالباً الحياة منذ ذلك الحين، فإنه أصيب بنتيجة هذا المخاض العسير بأدهى النكبات ولعل أكثرها وجعاً وألماً قضية "العيش الواحد " التي أصبحت مدار شك ومحط تساؤل وقضية بحث في أساسها وحقيقتها.
ترى هل سقطت ثقافة العيش الواحد في لبنان ؟
هل تهاوت قضية لبنان المتنوع في هذا الشرق وأصبحت هذه الصيغة الفريدة أقرب الى الأسطورة منها الى الواقع ؟
أي ثقافة تنبعث اليوم في ظل تحويل الدولة الى غنيمة والطائفة الى قبيلة والشعب الى رعية ؟
أي ثقافة تطل برأسها مهددة الوحدة الوطنية والعيش الواحد في الصميم ؟
مع ذلك نقول، كلا، ثقافة العيش الواحد لم تسقط، ولم تتهاوى بعد في لبنان، وان وجهت لها طعنات وسقط بين دعاتها شهداء، وهي إن تراجعت خطوة جاهزة لتتقدم خطوات، لأنها ليست ثقافة عابرة في تاريخنا وليست حالة مصطنعة فرضها حاكم أو إستوردتها سلطة، إنها نسيج حر صنعه الأجداد في علاقات يومية تراكمت فأصبحت نمط حياة وعيشاً واحداً مشتركاً في السراء والضراء. العيش الواحد لم يصنع فوق،على مستوى السلطات، بل صنع بين الناس أولا ًفي القرى والبلدات، في الأحياء والحارات والأزقة والشوارع، في الأسواق والحرف في التجارة والأعمال، في العادات والتقاليد والأنشطة المختلفة التي يمارسها الناس في حياتهم اليومية، تلك هي الأطر التي صنعت عيشنا الواحد، وحصنته وحمته على مدى الأيام من جنون متطرف ينمو على ضفاف الحقد والكراهية هنا أو هناك.
لقد كتب تاريخ لبنان وقدم بروايات متعددة، ربما على عدد الطوائف والمذاهب. درسنا، وحتى عهد قريب، " تاريخ جبل لبنان" ورجالاته ومآثره، ومدنه وقراه، ونزاعاته وانقساماته ومذابحه، على انها " تاريخ لبنان".
تحت هذا العنوان طمس تاريخ طرابلس وبيروت وصيدا وصور وما يسمى بالأطراف. إقتصروا على تدريسنا تاريخ فخر الدين وبشير الشهابي وبيت الدين ودير القمر والقائمقميتين والمتصرفية، وكأن ما بقي من لبنان لا تاريخ له يستحق أن يدرس.
لقد أثبت جيل جديد من المؤرخين والباحثين في لبنان من خلال إنتاجه المميز إنه لا بد من إعادة النظر في هذه المنهجية الإستبعادية والمتحيزة في قراءة تاريخ لبنان، لأنها لا تنتج ثقافة العيش الواحد ولا تؤسس لوحدة وطنية بقدر ما تسهم بإيقاظ ذاكرة الإنقسام والتنازع التي لم تشهدها باقي المناطق خارج جبل لبنان.
إن طرابلس التي نعتز بإنتمائنا اليها، قدمت في هذا المجال مشهداً متميزاً بين مدن الساحل في بلاد الشام تضمن فيما تضمن نماذج وصوراً من العيش الواحد تستحق أن نتوقف عندها بالدراسة والتحليل. هو تاريخ وذاكرة، ولانه كذلك هو عبر ودروس تحملها لنا الأيام وثائق مبعثرة هنا وهناك وخبرات وحكايا وتواريخ يقصها الأجداد تحملها لنا الأيام تضعها بين أيدينا، لنستفيد نحن، ولا يكرر أبناؤنا الأخطاء.
لهذا كان هذا المؤتمر الذي أردناه مساهمة، عسى أن تكون فاعلة، في دفع مسيرة العيش الواحد قدماً الى الأمام.
أيها السادة الحضور
إن طرابلس مدينة عريقة بتاريخها وآثارها التي لا تزال، رغم كل ما أصابها من إهمال وتخريب، ناطقة ومعبرة عن دور حضاري فاعل لعبته على مدى أجيال وحقب تاريخية مديدة. لذلك هي تشكل منجماً غنياً من الناحية الوثائقية والأثرية والتاريخية، فيه من الحضارة والعراقة ما يحفز أقلام الباحثين الى المزيد من البحث والتدقيق لكشف هذه الكنوز التي لا يزال يلفها النسيان.
وكم عانى الباحثون من أبناء طرابلس، ومن العلماء الذين أحبوا طرابلس، من مشقة البحث عن المراجع والمصادر الأصلية الخاصة بهذه المدينة. هذه الوثائق المشتتة والمبعثرة في عواصم شتى بين استنبول والقاهرة وباريس ولندن وغيرها، والقليل منها الموجود في طرابلس مبعثر أيضاً في مواقع مختلفة، والموجود منها يفتقر الى الحد الأدنى من التوثيق والفهرسة والأرشفة الدقيقة والصحيحة، الأمر الذي يعرقل كشف  المزيد من كنوز هذه المدينة ومخطوطاتها الضائعة.
لهذه الأسباب لابد لنا في المركز الثقافي للحوار والدراسات من أن نتقدم بجزيل الشكر لراعي هذا المؤتمر، دولة الرئيس نجيب ميقاتي ولشقيقه الحاج طه وللأخوة في جمعية العزم والسعادة الإجتماعية ممثلة بالصديق الدكتور عبد الإله ميقاتي، الذين احتضنوا منذ اللحظة الأولى مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي لمدينة طرابلس الفيحاء. هذا المشروع الذي يتطلع إلى جعل التراث الثقافي في المدينة لا يختزل في المباني الأثرية على أهميتها، بل يريده أن يشمل ما تمتلكه طرابلس من رأسمال ثقافي وكنوز وثائقية ومخطوطات مبعثرة. إنها مهمة تستهدف أن يحتضن الحجر ما أنتجه البشر من فكر وثقافة ومعرفة على مرّ الأيام، بحيث تتكامل المباني والمعاني ويتحقق البعد الحضاري لمشروع إحياء الإرث الثقافي في المدينة.  
ولكي يكتمل هذا الأمر لا بد من إنشاء مكتبة عامة متخصصة ومتحف للمخطوطات والوثائق تتضمن كل ما كتب عن طرابلس وتتابع ما يكتب عنها، بحيث تصبح هذه المكتبة مقصداً لكل الباحثين الذين يريدون الإطلاع على تراث المدينة وإنتاج أبنائها ومخطوطاتهم.
إننا نتطلع يا دولة الرئيس إلى أن يتحقق هذا الهدف برعايتكم، وهي مناسبة اليوم لنتمنى على معالي وزير الثقافة الأستاذ تمام سلام، الذي نعرف صدق محبته لطرابلس، والذي لم يتردد في تلبية دعوتنا للمشاركة في هذا المؤتمر، أن يولي هذا المشروع الدعم والتشجيع المطلوبين.
ان طرابلس الحضارة والتاريخ ظلمت مرتين، مرة حين غضب نهر أبو علي عام 1955 وطاف مخلفاً خسائر مادية وبشرية أدت الى تصدع العديد من المعالم الأثرية والسياحية، وكانت هذه نكبة من نكبات الطبيعة لا حيلة لنا فيها. ومرة ثانية بحجة ازالة آثار هذه النكبة ،  حين ترك مصير هذه المدينة لأخطر مشروع عرفته في تاريخها بإدارة مصلحة التعمير في وزارة الأشغال التي ارتكبت أكبر جريمة في حق طرابلس وآثارها في غفلة من أهلها ومسؤوليها، فجاءت جرافات "التعمير" لتقوم بالتهديم، فأزالت بدلاًُ من أن تعمر، وهدمت بدلاً من أن ترمم، فجرفت درًة الكنوز الأثرية على ضفاف النهر، والتي كان يشعر المرء قربها بكثافة الزمن الممتد عبر القرون. أكثر من عشرين معلماً أثرياً تمت إزالتها فضلاً عن مئات البيوت التي كانت تتكىء بشرفاتها الخشبية ومشربياتها فوق مياه النهر. "بندقية الشرق" طرابلس كما كانت تعرف، أثخنتها جرافات مصلحة "التعمير" بالهدم... واليوم يكاد ما تبقى من كنوز ومخطوطات ووثائق وإرث ثقافي، مبعثر في البيوتات العتيقة، والتخاتي المظلمة والاقبية العفنة، والعواصم البعيدة، ان يضيع أو يتعرض للتلف والإهمال والنسيان (ونعرض لحضراتكم نماذج متواضعة  من هذه التحف والوثائق والمخطوطات في قاعة الفندق).
وإذا قيل يوماً عن طرابلس إنها كانت داراً للعلم والعلماء فمن حق هؤلاء علينا أن نحفظ انتاجهم في مكان يليق بهم وبتاريخ المدينة. هذه المدينة التي قيل إنها مدينة مملوكية في متحف، ومع ذلك قصرنا في أن نقيم متحفاً في مدينة، يحكي قصة حضارة يتنامى فيها الاعتزاز بماضٍ عريق، وتتسامى معها مشاعر تستنهض أهلها نحو مستقبل أكثر إشراقاً.
أيها السادة الحضور
ان هذا التعاون المشترك بين المركز الثقافي للحوار والدراسات وجمعية العزم والسعادة الاجتماعية أثمر بعون الله انطلاق المرحلة الأولى من مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي، وهي مناسبة لنتوجه الى كل العائلات الطرابلسية الكريمة التي تمتلك في خزائنها وثائق ومخطوطات للتعاون معنا من أجل حفظها أو ترميمها أو تصويرها تمهيداً للاستفادة منها من قبل الباحثين والمهتمين بتاريخ طرابلس.
وإذا كانت المرحلة الأولى قد انطلقت لحفظ وأرشفة وفهرسة سجلات محكمة طرابلس الشرعية، فإن أمامنا خطوات أخرى نتطلع الى انجازها، آملين كل التشجيع والتعاون من مثقفي طرابلس وفعالياتها وعائلاتها لإنجاح هذا المشروع الحضاري، والذي يعتبر هذا المؤتمر باكورة أعماله.
فأهلاً وسهلاً بكم جميعاً في مؤتمركم العامر بحضوركم جميعاً وبمشاركتكم الفاعلة. وفقكم الله لكل خير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمة الدكتور عبد الغني عماد في مؤتمر طرابلس عيش واحد ( 27-3 -2009)