Navigation

33554408 عدد الزوار

السبت، ۱۹ آب/أغسطس ۲۰۱۷



مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي
لمدينة طرابلس

لا يمكن قراءة التاريخ عموماً دون الرجوع الى الوثائق التي هي بمثابة الشواهد على أحداثه ومساراته ومحطاته. ولا يمكن بالتالي تصور تاريخ البشرية من دون مثل هذه الوثائق والمستندات.

ولقد تركت لنا العصور المتعاقبة أثاراً مكتوبة ومخطوطات مختلفة الأهمية ومتنوعة الشكل، وبالطبع متفاوتة المصداقية، غير ان المهم منها، والذي درج على تسميته بـ "الوثائق" بقي المرجع الأكثر ركوناً إليه من قبل المؤرخين والدارسين والباحثين.

وإذا كان البعض يعتبر "الوثيقة" مرآة للتاريخ، والبعض الآخر يرى فيها نبض حركة الجماعة أو الفرد في حقبة غابرة، فإن افتقارنا إلى وثائق كافية عن مراحل معينة من تاريخ مجتمعاتنا ضاعف من أهمية الوثائق النادرة والمتوفرة، أو التي لا يزال يعثر عليها بين الحين والآخر. وفي هذا السياق أنشئت المراكز والمعاهد المتخصصة، وشكلت فرق البحث والخبراء للتحقيق والعناية بهذه الكنوز المعرفية، وكان هذا الاهتمام سمة من سمات عصرنا الراهن، لا سيما بعد ظهور الأمم المتحدة ومنظماتها التابعة المتخصصة، ومنها تحديداً تلك المعنية بمجتمع المعلومات، وبالحفاظ على التراث الإنساني.

ولا جدال في أن تطور تكنولوجيا الاتصال وثورة المعلومات أكسبت الوثائق التاريخية قيمة جديدة، فهي بقيت تمثل ما يمكن اعتباره "النوع المعلوماتي الأصيل" مقابل "الكم المعلوماتي المتواتر" الذي يصعب التحقق منه بسبب سرعة انتشاره إلى درجة يصبح معها أحياناً من المسلمات المعرفية. لذلك فأن عالم التراث الوثائقي تتمتع به عادةً قلة من الباحثين والمعنيين بصون التراث وحفظه لكي يكون أداة حاسمة تجلو صورة الماضي، في قضايا قد تكون محط خلاف ونزاع في الحاضر، وربما في المستقبل.

- مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي لمدينة طرابلس:
لا شك أن طرابلس مدينة عريقة بتاريخها وآثارها التي لا تزال، رغم كل ما أصابها من إهمال وتخريب، ناطقة ومعبرة عن دور حضاري فاعل لعبته على مدى أجيال وحقب تاريخية مديدة. فطرابلس تشكل منجماً غنياً من الناحية الوثائقية والأثرية والتاريخية، فيه من الحضارة والعراقة ما يحفزّ أقلام الباحثين إلى المزيد من البحث والتدقيق لكشف هذه الكنوز الوثائقية المبعثرة هنا وهناك.

وكم عانى الباحثون من أبناء طرابلس، ومن العلماء الذين أحبوا طرابلس من بلدان شتى عربية وأجنبية، كم عانى هؤلاء من مشقة البحث عن المراجع والمصادر الأصلية الخاصة بطرابلس، هذه الوثائق المبعثرة في عواصم شتى، بين استامبول والقاهرة، إلى باريس ولندن، بل حتى في قلب المدينة، هي أيضاً مبعثرة في مواقع شتى، وإن وجدت فهي تفتقر إلى الحد الأدنى من التوثيق والفهرسة والأرشفة الدقيقة والصحيحة، الأمر الذي يعرقل ويحدّ من إطلاق الدراسات الجادة حول تاريخ طرابلس ودورها الحضاري بشكل واسع.
لهذه الأسباب تلاقت جهود المركز الثقافي للحوار والدراسات مع الدور الطليعي الذي تقوم به جمعية العزم والسعادة الاجتماعية على المستوى التنموي في مدينة طرابلس لإطلاق مشروع إحياء الإرث الوثائقي.

- الأهداف العامة للمشروع:
جمع الوثائق الطرابلسية، وتحريرها وفهرستها، وتصنيفها بعد أرشفتها، ووضعها بتصرف الباحثين الشباب وتنظيم مؤتمرات وندوات وحلقات بحث علمية حول تاريخ طرابلس الحديث على أساسها. ومن ثم نشر هذه الوثائق والدراسات لكي تكون مرجعاً بتصرف مراكز الأبحاث والباحثين في العالمين العربي والإسلامي من خلال طبعها بشكل يليق بتاريخ المدينة، وحفظها على أقراص مدمجة لتسهيل التعامل معها وفق أحدث الطرق المعلوماتية وبما يحفظها من التلف والضياع.
إن مشروع إحياء الإرث الوثائقي يتطلع إلى إنشاء مركز يحفظ ذاكرة طرابلس الثقافية والحضارية وهو يستهدف في خطته كمرحلة أولى:
- فهرسة وتبويب سجلات المحكمة الشرعية والتي تتضمن آلاف الوثائق والتي تبدأ منذ العام 1666م. وهي لا تزال كمخطوطات "مادة خام" في غالبيتها لم تتعرض للدراسة والفهرسة والتبويب، الأمر الذي يجعل من استفادة الباحثين فيها أمراً صعب المنال.
- تجميع وأرشفة وفهرسة الوثائق الخاصة بطرابلس والموجودة في مركز الوثائق والمحفوظات في اسطمبول، وهي وثائق على درجة عالية من الأهمية، نظراً لما توفره من معلومات حول تاريخ المدينة الاقتصادي والسياسي والإداري.
- جمع وترجمة مراسلات القناصل الفرنسيين والانكليز وغيرهم الذين كانوا في طرابلس والموجودة في بعض العواصم الأوروبية.
- العمل على جمع الوثائق والمحفوظات الموجودة في بيوت العائلات الطرابلسية ومكتبات أبنائها والمتعلقة بما تركه علماء طرابلس من آثار ومخطوطات وكتابات، وتحقيقها ونشرها، وهي كثيرة ولا تزال حبيسة هذه البيوت نظراً لعدم توفر الثقة عند هذه العائلات من جهة، وعدم وجود المؤسسات الأكاديمية والمهنية المختصة لتحقيقها والحفاظ عليها.
- نشر المخطوطات أو المطبوعات النادرة لعلماء وأدباء ومؤلفي طرابلس والتي لم تعد متوافرة للباحثين وأصبحت بالتالي كإرث ثقافي عرضة للنسيان والضياع.
- طباعة ونشر الدراسات الجامعية وأطروحات الدكتوراه التي تتعلق بتاريخ طرابلس وواقعها الراهن والتي تتمتع بالمواصفات العلمية والأكاديمية وتتفق بالتالي مع أهداف المركز.
- إنشاء مكتبة عامة متخصصة تتضمن كل ما كتب عن طرابلس، ومتابعة ما يكتب عنها من أبحاث ودراسات تتعلق بتاريخها وواقعها الراهن، بحيث تصبح هذه المكتبة مقصداً لكل الباحثين الذين يهدرون الكثير من أوقاتهم بحثاً عن المصادر والمراجع المبعثرة. هذا إن وجدوها.
- ترجمة الكتب الهامة التي ألفها الرحالة والباحثون الأجانب عن طرابلس ونشرها لكي تكون بتصرف الباحثين والطلاب.
- إصدار مجلة دورية تتضمن دراسات موثقة ومتنوعة تتضمن محاور تتناول مواضيع جديدة حول مدينة طرابلس من حيث التاريخ والعادات والدور الحضاري، والواقع الحالي في جانبه التنموي والثقافي والاجتماعي. وهي مجلة نتطلع لكي تكون إضافة نوعية تعتمد كمرجع أكاديمي في مجالها، لذلك سوف تكون مجلة محكّمة يشرف عليها نخبة من المتخصصين والأكاديميين.
إننا في المركز الثقافي للحوار والدراسات إذ نطلق مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي لمدينة طرابلس فإننا نستهدف من هذا المشروع حفظ تراث المدينة الثقافي وصيانة ذاكرتها المدينية، وتجميع مخطوطات أبنائها وإنتاجهم الفكري والعلمي على مدى الأجيال، وحفظ وثائق المدينة وتراثها الغني، وإعادة الاعتبار إليه من خلال أرشفته وتحقيقه وفهرسته، ووضعه بتصرف أبنائها والباحثين من العالمين العربي والإسلامي فضلاً عن الباحثين والعلماء الغربيين، وذلك في مركز ثقافي حديث وكبير يليق بمدينة طرابلس التي كانت يوماً دار العلم والعلماء والتي نتطلع بشوق إلى إحياء دورها هذا من جديد.

- إنطلاق المرحلة الأولى من المشروع:
إننا والحمد لله، وفي سبيل هذا الهدف الحضاري، وفقنا وبالتعاون مع جمعية العزم والسعادة الاجتماعية، في إطلاق المرحلة الأولى من المشروع بتاريخ 1/7/2008 والتي تستهدف العمل على فهرسة وتبويب سجلات محكمة طرابلس الشرعية والتي تغطي وثائقها قسماً من القرن السابع عشر فضلاً عن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وتحتوي على آلاف الوثائق الهامة والتي تعتبر سجلا يوميا لحياة الطرابلسيين في تلك المراحل، وهو العمل الذي سوف يترافق مع سلسلة من الندوات والمؤتمرات والحلقات النقاشية حول هذه الوثائق يشارك فيها نخبة من الباحثين المختصين.

- لماذا هذه الوثائق وما أهميتها؟
يتضمن أرشيف المحكمة الشرعية في طرابلس العائد للمراحل العثمانية مئة وأربع سجلات تحمل الأرقام من 1 إلى 119 بالإضافة إلى سجلين غير مرقمين. وقد فقد بعض هذه السجلات ولم يتبقَ سوى 104 سجلات، وذلك بسبب الحريق الذي تعرضت له السرايا ودار المحكمة في طرابلس سنة 1976. ويومها تداعت بعض شخصيات المدينة لإنقاذ ما أمكن من هذه الوثائق التي حفظت أكثر من ثلاثة قرون، وكادت يد العبث ان تذهب بها في يوم مجنون من أيام الحرب عام 1976. وبمبادرة من الحاج فضل المقدم رحمه الله تشكلت رابطة لإحياء الإرث الفكري في المدينة عام 1982 أخذت على عاتقها بث الدعوة للحفاظ على هذه الوثائق، وتم حينها تصوير هذه الوثائق، فوضعت نسخة منها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ونسخة ثانية في معهد العلوم الإجتماعية وثالثة في مركز رابطة إحياء التراث الفكري في طرابلس بإنتظار أن يتم تبويبها وفهرستها نظراً لما تتضمنه من ثروة علمية وتاريخية لا غنى عنها للباحثين في تاريخ المدينة.
ومنذ ذلك الحين، وعدا المحاولات الفردية الجادة للإستفادة من هذه الوثائق والتي كانت تصطدم دائماً بغياب الفهرسة والتبويب اللازمين لتسهيل مهمة الباحثين، لم يتم القيام بأي محاولة مؤسساتية أو أكاديمية مدروسة لتنظيم وفهرسة وتبويب هذه الوثائق التاريخية التي لا تزال تشكل مادة أولية كمخطوطات تتضمن ثروة من المعلومات حول طرابلس بكل معنى الكلمة.

- ما أهمية هذه الوثائق؟
يعود أقدم ما بقي من سجلات محكمة طرابلس الشرعية إلى العام 1077 هـ/1666 م، وكانت طرابلس في ذلك الوقت لا تزال مركزاً لولاية قبل أن تصبح في القرن الثامن عشر تابعة لولاية دمشق ولولاية عكا في فترة من فترات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر.
والمخطوطات التي تتضمنها السجلات، متفاوتة في عدد صفحاتها وإن كان الأغلب يدور حول الـ 300 صفحة، وهي كتبت بالمداد الأسود، وبخطوط مختلفة، أكثرها جميل ومقروء، ومتنوع بين الخط الرقعي، والديواني، والنسخي، والثلث.

تتضمن المخطوطات والوثائق مواضيع شتّى جرى تسجيلها حسب ورودها إلى قلم المحكمة حينها دون أي تصنيف يتعلّق بموضوعاتها فهي متداخلة وغير مبوبة، وبالتالي يجد القارئ لهذه المخطوطات وثائق تتعلق بالنواحي الإقتصادية والتجارية، والأسواق، والمهن، والحرف، ومستوى المعيشة، كما يجد مخطوطات لها علاقة بالعادات والتقاليد والحياة اليومية للطرابلسيين، وبالعلاقات بين سكان المدينة وأوضاع المسيحيين واليهود إجتماعياً وإقتصادياً وقانونياً، وعلاقة الأهالي بالتجار الأجانب، وكل ما يتعلق بالأوقاف، والحياة العائلية من طلاق وزواج وإرث، إلى مسائل التعيينات والوظائف الدينية والإدارية والعسكرية، والعائلات، ومشايخ الطرق الصوفية، وعلاقة طرابلس بمحيطها الريفي وتطور هذه العلاقة...الخ

لا شك أن هذه المعلومات تفتح مجالات جديدة للباحثين والطلاب لإعادة قراءة التاريخ الإجتماعي والإقتصادي والسياسي، وتفتح المجال لدراسات متفرعة عن هذه المواضيع مثل: الإدارة-الألقاب، الأسماء-الثقافة-الوظائف-الأشراف-تراجم الإعلام...

لقد بدأ الإهتمام بالوثائق والمخطوطات الموجودة في المحاكم الشرعية في دمشق وحلب والقاهرة وعمان منذ زمن، ونظمت العديد من المؤتمرات في سبيل الإستفادة منها، وما تمتلكه طرابلس من مخطوطات ومن ثروة في هذا المجال يضاهي ما هو موجود في تلك العواصم.

إن الباحث يقف فعلاً مذهولاً أمام جبل المعلومات والمعطيات المتضمنة في هذه المخطوطات التي تنتمي إلى الماضي الذي هو ماضينا، وبالتالي فإن معرفة الماضي التاريخي بشكل موضوعي تقود إلى فهم الحاضر، كما تنير آفاق المستقبل. لكن الماضي أو التاريخ ليس الأحداث الكبرى، بل الحياة اليومية المتواصلة عبر الزمن، والمتبدلة عبر التراكمات والمؤثرات المتداخلة، بل والمنقطعة عبر الإنعطافات الحاسمة. والإطلالة على كل ذلك ليست مهمة سهلة، فمهمة المؤرخ الإجتماعي والباحث الإجتماعي تتعدى وصف الأحداث إلى إستخراج تسلسلها المنطقي، وإعادة إنشاء صورة الماضي بأبعادها المتنوعة، وتحديد درجات حضور هذا الماضي في حاضرنا. وهذه مهمة تستدعي الجهد النقدي المُدقّق فضلاً عن التأريخي المُحقّق. إن هذه المخطوطات إلى جانب غيرها من التواريخ والمخطوطات الأهلية والوثائق الدبلوماسية وكتب الرحالة والرحلات المبعثرة هنا وهناك، يمكنها جميعاً أن تصحح نظرتنا إلى الماضي والحاضر بأبعاده المختلفة.

ولا يمكن أن نفعل شيئاً إذا ما بقيت هذه المخطوطات كماً متراكماً لا حياة فيها، لذلك كان هذا المشروع البداية والمنطلق لإحياء التراث الوثائقي والثقافي في المدينة. والذي أردنا من خلاله إتمام الفهرسة والتبويب وفق أحدث التقنيات وبإشراف فريق عمل أكاديمي متخصص ومدرب لكي تصبح المادة التاريخية المتضمنة في هذه المخطوطات بتصرف الباحثين والطلاب في طرابلس والعالم العربي والإسلامي، والتي سوف تعرض نتائجها تباعاً عبر حلقات نقاشية وندوات علمية ومؤتمرات متخصصة ومطبوعات متنوعة.

إن جهوداً كثيرة بذلت، وهي بلا شك مقدرة ومشكورة، للحفاظ على الإرث الثقافي في مظاهره الخارجية، كالأبنية التاريخية والمباني الأثرية الهامة، كالمساجد والكنائس والأسواق والخانات والحمامات والقلاع وغيرها، وهي على أهميتها وضرورة إستمراريتها وتطويرها، إلاّ أنها لا يجب أن تنسينا أن التراث الثقافي لا يختزل بمظاهره خارجية فقط، بل من حق هذا التراث علينا، أن نخرج كنوزه المدفونة ومخطوطاته المبعثرة، وأن نقوم بتحقيقها وجمعها وتبويبها وفهرستها وتقديمها في صورة علمية تليق بالفيحاء، وبما يجعل المباني الأثرية تتكامل مع المعاني الثقافية، والمظاهر الخارجية ناطقة بالمضامين الوثائقية والفكرية، فيحتضن الحجر ما أنتجه البشر من فكر وثقافة وأنماط حياة. هكذا تتكامل المباني والمعاني، والمظاهر والجواهر، وهذا هو البعد الحضاري لمشروع إحياء الإرث الوثائقي والثقافي لمدينة طرابلس.

إن انطلاق المرحلة الأولى يعني أنه لا يزال أمامنا مراحل أخرى تنتظر المزيد من الجهد والعمل، إلاّ أن إنطلاق هذه المرحلة من المشروع بالتعاون مع جمعية العزم والسعادة الإجتماعية يشكل حافزاً قوياً لنا الى المزيد من العمل والتعاون مع مثقفي طرابلس وفعالياتها وعائلاتها لانجاح هذا المشروع الحضاري الذي يحفظ تراث طرابلس الثقافي والوثائقي، فالمدن التي لا تحافظ على تاريخها وتراثها لا تستطيع أن تبني حاضرها ومستقبلها بجدارة.

المشرف على المشروع
ورئيس المركز الثقافي للحوار والدراسات
العميد الدكتور عبد الغني عماد