Navigation

33567414 عدد الزوار

الخميس، ۲٤ آب/أغسطس ۲۰۱۷



 المغربي، عبد المجيد
1283 هـ/1866م - 1352هـ /1934م
 

هو عالم من علماء طرابلس الشام المجاهدين، الشيخ عبد المجيد بن محمود عزيز المغربي. ولد عام 1866 م. في أسرة عرفت بالعلم والتديّن؛ فوالده كان قاضياً شرعياً، وجدّه لأمه هو مفتي طرابلس في زمانه الشيخ الإمام حسن بن يوسف بن مصطفى كرامي. والمغربي نسبة إلى موطن الأسرة تاريخياً أي المغرب العربي والتي وفد جدّها الأعلى في طرابلس السيد محمد التونسي الحسني إلى المدينة في القرن التاسع الهجري، وهو ابن مفتي الديار التونسية في عصره، والمنتهي نسباً بالحسن بن علي بن أبي طالب.
تلقّى عبد المجيد علومه الأولى في كتاتيب طرابلس الشام والتي كانت في منتهى التخلف والبدائية من حيث الإمكانات والتجهيزات والوسائل...
ثم التحق بالمدرسة الوطنية التي أنشأها المفكر الشيخ حسين الجسر، وفيها درس العلوم الشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية، بالإضافة إلى شتّى العلوم العصرية... ولا سيما منها اللغات: الفرنسية والتركية والفارسية، والعربية. وما كان ذلك ليحصل في غير المدرسة "الوطنية" في المدينة، إذ كان التعليم الرسمي مقتصراً على تدريس اللغة التركية بشكل أساسي وعلى المرحلة الابتدائية فقط. وربما لأن المدرسة الوطنية بدأت تلعب دورها في العملية التربوية بطرابلس وتنشئة أبنائها فقد قام الأتراك بإغلاق هذه المدرسة وتشريد طلابها. فالتحق عبد المجيد المغربي بالمدرسة السلطانية ببيروت متتلمذاً على نخبة من مفكري العصر ومن بينهم: الشيخ أحمد عباس الأزهري، والإمام محمد عبده الذي كان منفياً من مصر لمقاومته الاحتلال الانكليزي.. فأخذ عنه علم التوحيد وأملى عليه وعلى أقرانه "رسالة التوحيد" بالإضافة إلى دروس أخرى في الفقه والأصول والتفسير، وغير ذلك.
عندما عاد الشيخ محمد عبده إلى مصر، عاد عبد المجيد إلى طرابلس ليلتحق بالمدرسة "الرجبية" التي كان قد افتتحها الشيخ حسين الجسر نفسه بعد إغلاق "الوطنية". وفي الرجبية قرأ الجسر متون النحو والصرف، وعلم الوضع، والمقولات العشر، وغيرها... وكان من بين زملائه المفكر العلامة محمد رشيد رضا، وكانا معاً من أبرز الطلاب المتفوّقين في تلك المرحلة.
إلى ذلك فقد حظي المغربي بعناية والده الذي لقّنه حاشية ابن عابدين والأشباه والنظائر، وملتقى الأبحر، وجامع الفصلين، ومجلة الأحكام العدلية وشروحها، وبدائع الصنائع، فكان كثير القراءة في هذه الكتب والمراجع إلى غير ذلك من العلوم كعلم الحديث النبوي وعلم التفسير، وعلوم العربية، وعلم الفلك وتطبيقاته، وعلم الفرائض ومسائله..
ثم إنه لازم دروس محدث الديار الشامية أبي المحاسن القاوقجي الذي أجازه ولقّنه الذكر وألبسه الخرقة الصوفية وسلك على يديه الطريقة الشاذلية ، وانتهى به إلى نيل شهادة في العلوم الشرعية وعلم الحديث النبوي والتي كانت تعادل في ذلك الوقت شهادة "العالمية" الأزهرية.
وكان الشيخ المغربي قد تلقّى أيضاً جملة من المتون، كمتن السنوسية للإمام السنوسي، ومتن جوهرة التوحيد للإمام اللقّاني، ومتن الأجرومية لابن أجروم، وبعض المسائل المنتقاة في فروع الفقه الحنفي، وشروحات في المعلقات السبع، ومقامات الحريري، وغيرها.. حتى صار من أوائل المتفقّهين في الفقه الحنفي، والذين تشدّ إليهم الرحال في شتّى العلوم والمعارف..
عيّن الشيخ المغربي أميناً للفتوى في مدينته طرابلس، ثم تولّى مركز الإفتاء في قائممقامية جبلة من سورية: وتولّى بعدها حاكمية منطقة صافيتا من سورية أيضاً، واستطاع وهو في هذا المنصب من إخماد فتنة كبيرة في هذه المنطقة بحكمة منقطعة النظير.. كما يقول يوسف الحكيم في كتابه: سورية والعهد العثماني.
من جهة أخرى، لم يكن العلامة المغربي يتعاطى العمل السياسي في هذه المرحلة، منصرفاً إلى العلم والتعلم والكتابة والتأليف، محتفظاً بعلاقة عادية مع السلطات التركية الحاكمة فمنحه السلطان عبد الحميد الوسام المجيدي المذهّب مع لباس الخرقة المقصّبة تقديراً لكتابه: "المنهل الفائض في علم الفرائض". وهو الكتاب الذي قال فيه العلامة محمد أبو زهرا، أستاذ علم الشريع في جامعة القاهرة: "هو أفضل ما كتب في هذا العلم الصعب المتعلق بالميراث والتركات".
وإذا كان بعض الدارسين قد رأى أن الشيخ عبد المجيد كان من المعادين لسياسة السلطان عبد الحميد ونظام حكمه، بينما رأى البعض الآخر أنه كان من المناصرين للدولة وسلطانها، فإننا نرى، ربطاً للظروف المحيطة يوم ذاك، أن عبد المجيد المغربي لم يكن راضياً كل الرضا عن سياسة السلطان ونظامه الذي تغلغلت فيه الحركة الشعوبية العنصرية التي كان يقودها جماعة الاتحاد والترقي.. ولكنه، في الوقت نفسه، لم يكن ليرفع سقف المعارضة للسلطان عبد الحميد وهو يرى بأم العين التغلغل الاستعماري الأوروبي في الوطن العربي ونوايا الغربيين في بلاد الشام بعد احتلاله للمغرب العربي ومصر والسودان.. شأنه في ذلك شأن العروبيين الذين كانوا حذرين لخطر يداهمهم من جهتين: حركة التتريك من جهة، والمخططات الاستعمارية الغربية من جهة أخرى. واما مدحه للسطان في بدايات بعض كتبه المطبوعة في تلك المرحلة، فلا يعدو كونه أمراً بروتوكولياً تفرضه الرقابة الرسمية على المطبوعات إذا كان لهذا الكتاب أن يبصر النور.. وهو وإن كان لا يعارض بشكل علني وفاعل لكي لا يقدّم خدمة لأعداء الدولة من الأوروبيين، فإن معارضته تلك خرجت إلى أعلى مستوياتها، بدون مسايرة أو مواربة، عندما استولى الاتحادييون على السلطة بالكامل وخلعوا السلطان عبد الحميد عام 1909 م وانتهجوا سياسة التتريك للعرب سياسة رسمية للدولة.
جهر العلامة المغربي بمعارضته الشديدة دفاعاً عن الهوية العربية وعن تراث العرب وحضارتهم ولغتهم بسيل من الكتابات والنشاطات المتعددة والمتنوعة.. مما حمل الأتراك على زجّه في السجن لمدة سنة كاملة.. رغم الموقع الشعبي والديني والعلمي الذي كان يتمتع به.. غير أنه لم يتراجع عن مواقفه وآرائه التي دلّت لاحقاً على صوابيتها وعمقها عندما انهارت الدولة التي حذّر مراراً من انهيارها.. وعندما احتل الفرنسيون والانكليز العراق وبلاد الشام واقتسموا الوطن العربي فيما بينهم في نهاية الحرب العالمية الأولى.. وهو ما كان المغربي يخافه ويحذر منه أيضاً.
ما كاد الانتداب الفرنسي يحكم قبضته على سورية ولبنان حتى انتفض المغربي في وجه المستعمرين الجدد، وتكشف لنا الوثائق والأخبار أنه كان على صلة وثيقة بالحركات الوطنية والعروبية المجاهدة، وعلى تواصل دائم ومستمر مع كل العروبيين المجاهدين.. بل إن له مركز الصدارة بين هؤلاء ومنهم من أبناء مدينته: الزعيم عبد الحميد كرامي، والدكتور عبد اللطيف البيسار، وسعد المنلا، وعثمان سلطان، والشيخ شفيق مولوي، والسيد ايراهيم السندروسي الحسيني، وغيرهم. ومما يدل على علوّ مكانته وأهميتها هو أن العروبيين الوطنييين وكل حركات المقاومة وفصائلها يومذاك، انتدبه كل هؤلاء، وبالإجماع، لتمثيل طرابلس وشمالي لبنان في المؤتمر السوري العام الذي انعقد في دمشق في أوائل العشرينات من القرن الماضي ونادى باستقلال العرب ووحدتهم وبالملك فيصل ابن الحسين ملكاً على سورية وسائر بلاد الشام.
بالإضافة إلى ذلك، فقد نشط المغربي نشاطاً بارزاً في التوعية الشعبية والتعبئة العامة في مواجهة الانتداب الفرنسي.. مما جعل الفرنسيين يضعونه في خانة المقاومين الخطرين علة وجودهم وسلطانهم.. الأمر الذي حدا بالمندوب السامي الفرنسي الجنرال "ترابو" إلى تجريده من مناصبه التي كان يشغلها، استناداً إلى خطاب وطني ألقاه المغربي في جمعية نهضة المعارف في مدينة طرابلس، واعتُبِر فيه أنه متصلب في مواقفه السياسية والوطنية..
لم تكن إجراءات الفرنسيين ومضايقاتهم لتردع المغربي عن المثابرة في متابعة النضال والجهاد بمختلف الوسائل والإمكانيات المتاحة، استعداداً وإعداداً ليوم الحرية المنشود.. هذا اليوم الذي وضعه هدفاً ثابتاً في كتاباته النثرية والشعرية وفي تأييده لمختلف الانتفاضات والثورات التي تلاحقت في مختلف بلاد الشام في مواجهة الحركة الصهيونية والاستعمارين: الفرنسي والانكليزي.
ظل هذا دأبه مقاوماً ومعانداً في قول كلمة الحق لا ينحني أمام إغراء ولا ينثني أمام تهديد أو وعيد.. إلى أن وافته المنية في السابع من نيسان من العام 1934 م. فشيّع في موكب مهيب إلى مثواه الأخير في مقبرة باب الرمل بعد أن ترك بصماته علة ملامح طرابلس وخطّها الملتزم بنهج الإيمان والعروبة.. وبعد أن سلّم الراية لثُلة من تلاميذه الذين تابعوا الطريق.. ولا يزالون.


آثاره

ترك العلامة المغربي وراءه عشرات الكتب والمؤلفات والمباحث في شتّى الحقول: الدينية والأدبية واللغوية، وأهمها:
-    المنهل الفائض في علم الفرائض.
-    البرهان في علم العقائد أو البرهان من عقائد الإيمان.
-    المطالع الجمالية في أحكام النفقات المرضية.
-    شرح حديث: "من يُرِد الله به خيراً يفقّهه في الدين".
-    رسالة وضع اليد في دعوى العقار.
-    طلعة البدر على غالية النشر.
-    حاشية على الدرّ المنتقى في شرح الملتقى. وهو في الفقه الحنفي.
-    حاشية على المعلقات السبع.
-    الفوائد المجيدية في شرح المقصورة الدريدية.
-    حاشية على متن الإظهار في النحو.
-    حاشية على متن الأجرومية.
-    مختصر كتاب المواقف في علم الكلام.
-    شرح العقائد السنوسية.
-    شرح كفاية الصبيان لشيخه القاوقجي.
-    نيل الأماني على هداية الدجاني.
-    ديوان شعر ملتزم. مخطوط. لا يزال بحوزة حفيده المحامي فؤاد الطرابلسي.
بالإضافة إلى العديد من الخطب والرسائل والمقالات المتناثرة في مختلف وسائل الإعلام في تلك المرحلة.


المصادر والمراجع
-    الحكيم، يوسف: سورية في العهد العثماني., الطبعة الثانية، بيروت، دار النهار، 1980 م.
-    الزركلي، خير الدين: الأعلام. الطبعة الثانية عشرة، دار العلم للملايين، بيروت، 1997 م.
-    طرابلسي، فؤاد: حجّة الفقهاء. جريدة التمدن، طرابلس/لبنان، الجمعة 5/12/2003.
-    نوفل، عبد الله: تراجم علماء طرابلس وأدبائها. مكتبة السائح، طرابلس، 1984 م.