Navigation

31103744 عدد الزوار

السبت، ۲٤ حزيران/يونيو ۲۰۱۷



رضا ، محمد رشيد
1282 هـ / 1865م – 1354 هـ / 1935م

هو الشيخ محمد رشيد بن علي رضا بن شمس الدين بن بهاء الدين القلموني، الحسيني. يرجع نسبه الى آل البيت.
ولد في 27 / 5 / 1282هـ في بلدة القلمون جنوب طرابلس الشام. بدأ طلب العلم بحفظ القرآن والخط والحساب. ثم درس في مدرسة " الرشدية "، وكان التعليم فيها بالتركية. ولكن ما لبث أن تركها بعد سنة ليلتحق بالمدرسة الوطنية الإسلامية التي أسسها، ويدرّس فيها، شيخه حسين الجسر، فدرس فيها سبع سنوات، أثرت وغيّرت في مجرى حياته. وبدأت مرحلة تصوّفه.
لقد بدأ تصوّف رشيد حين كان يقرئه شيخه حسين الجسر بعض كتب الصوفيّة. ومنها: الفصول من الفتوحات المكيّة، وفصول من الفارياق. وقد كان يقرأ ورد السَحَر، وعندما يبلغ البيت التالي:
ودموع العين تسابقني           من خوفك تجري
كان يمتنع عن قراءته، لأن دموعه لم تكن تجري، فكان امتناعه عن قراءة البيت حياءً من الله أن يكذب عليه. وبعد أن تضلّع بالعلم وأصول الدين، أدرك أن قراءة هذا الورد من البدع. فتركه وانصرف الى قراءة القرآن.
من أهم شيوخه في هذه المرحلة: المفتي عبد الغني الرافعي، وأبو المحاسن القاوقجي ومحمود نشابة، وغيرهم.
درس على شيخه أبي المحاسن القاوقجي، ونال الإجازة في كتاب " دلائل الخيرات ". ثم بان له أن هذا الكتاب أغلبه أكاذيب على النبي ( صلى الله عليه وسلّم )، فتركه، وأقبل على قراءة أذكار وأوراد في الصلاة ثابتة عن النبي ( صلى الله عليه  وسلّم ).
يذكر رشيد رضا في هذا المجال أن الذي حبّب إليه التصوّف، هو كتاب: " إحياء علوم الدين " للغزالي. ثم طلب من شيخه " الشاذلي " محمد القاوقجي أن يسلكه الطريقة الشاذلية، فاعتذر الشيخ وقال: يا بني، إنني لست أهلاً لما تطلبه، فهذا بساط قد طُوي وانقرض أهله.
ثم يذكر رشيد أن صديقه محمد الحسيني قد ظفر بصوفي خفي من النقشبندية، يرى أنه وصل الى مرتبة المرشد الكامل. فسلك النقشبندية على يديه، وقطع أشواطاً كبيرة فيها. ثم يقول: " ورأيت في أثناء ذلك كثيراً من الأمور الروحية الخارقة للعادة. كنت أتأوّل الكثير منها، وعجزت عن تأويل يعضها ". ثم يقول: " ولكن هذه الثمرات الذوقية غير الطبيعية لا تدل على أن جميع وسائلها مشروعة، أو تبيح ما كان منها بدعة. كما حققتُ ذلك فيما بعد.
ويصف رشيد الورد اليومي في طريقة النقشبندية بأنه ذكر اسم الجلالة " الله " بالقلب دون اللسان خمسة آلاف مرة، مع تغميض العينين وحبس النفس بقدر الطاقة، وربط القلب بقلب الشيخ. ثم يذكر أن هذا الورد بدعة كما تبين له بعد ذلك، بل يصل الى الشرك الخفي حين يربط الشخص قلبه بقلب شيخه، فإنه مقتضى التوحيد أن يتوجّه العبد في كل عبادته الى الله وحده حنيفاً مسلماً له الدين.
وبعد رحلةٍ طويلة في التصوّف، راحت تصله أعداد من مجلة " العروة الوثقى"، ومقالات العلماء والأدباء، فتأثر بالأفغاني ومحمد عبده. والأخير أصبح شيخه الذي حرّك عقله وفكره لنبذ البدع، والجمع بين العلوم الدينية والعصرية، والسعي لتمكين الأمّة. لا سيما بعد أن التقى بالشيخ محمد عبده بطرابلس. وقد جاء لزيارتها مرتين بدعوةٍ من علمائها في أثناء إقامته ببيروت منفيّاً بعد ثورة أحمد عرابي. وكذلك فإن الشيخ رشيد تبادل الرسائل مع الشيخ جمال الدين الأفغاني عندما كان موجوداً في الآستانة في ما يشبه الإقامة الجبرية. ومن الإثنين معاً، الأفغاني وعبده، وصلته النفحات القومية العروبية، وضرورة مواجهة التتريك والتفرّنج في آنٍ معاً.
كانت هذه الإرهاصات الثورية كافية لكي ينزل الشيخ رشيد الى ساحات العمل المباشر، متخذاً من بلدته القلمون، ثم من طرابلس، ميداناً لنشاط مضاد للصوفيين ومفاهيمهم وفرقهم، وذلك في وقتٍ كانت الفرق الصوفية، المدعومة من أبي الهدي الصيادي في الآستانة، تتمتّع بنفوذ شعبي واسع، وتهيمن على البيئة الشعبية بشكلٍ شبه مطلق. حتى لقد كان عدد أعضاء الفرق الصوفية بطرابلس في تلك الفترة، موازياً تقريباً لعدد الرجال القاطنين فيها، وفق إحصاء التميمي وبهجت في كتابهما " ولاية بيروت ".
اصطدم رضا برجالات التصوّف وبدعهم، والممارسات المتعارضة مع الفقه والسنّة النبوية في الأذكار وقراءة الموالد، وغيرها... متجاوزاً نصيحة شيخه الجسر بالتأني والتريّث، لأن في التصوّف إيجابيات وسلبيات، كما قال له. ولكن الشيخ رشيد لم يأبه، واستمرَّ في حربه على البدع والخرافات والضلالات كما وصفها، الأمر الذي ألّب عليه الشارع، وأوغر بعضهم صدر الولاة والمسؤولين المحليين عليه، فراحوا يترصّدونه لاعتقاله.
وإذ هو متلّهف للقاء الإمام محمد عبده، فإنه يمّم شطر مصر، فوصلها في رجب عام 1315هـ / 1897م. وتتلّمذ على يديه، وكان أول عمل قام به أن استأذن شيخه في إصدار مجلّة " المنار " لبثّ آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي. وقد ظهر العدد الأول من المنار في 15 آذار / مارس عام 1898م. ثم إنه التحق بالأزهر الشريف لإكمال دراساته. وكان من بين أساتذته فيه الأديب والعالم الكبير محمد حسين المرصفي.
بعد حوالي عشر سنوات، ومع إعلان الدستور العثماني، زار رشيد رضا بلاد الشام، فجوبه بمضايقات لم يأبه لها. ومنها أن أحد المعادين للإصلاح اعترضه وهو يخطب من على منبر الجامع الأموي، فكادت أن تقع فتنة لم يكترث لها الشيخ، بل إنه رحل الى استانبول لمناقشة رجال " الإتحاد والترقي " والإطلاع مباشرةً على آرائهم تجاه العرب واللغة العربية. ثم عاد الى مصر يحمل خيبة أمل لما لمسه من طورانية الاتحاد والترقي وعنصريته.
ولعل هذه الرحلة عزّزت قناعاته بأهمية التمسّك بالعروبة والهوية العربية، لا للعرب وحدهم، بل لكل المسلمين أيضاً، وليشكل بالتالي رافداً هاماً من روافد القومية العربية التي أطلق نفحاتها الأولى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي، وعبد العزيز الثعالبي، وغيرهم.
وكان كسالفيه، يؤمن أن الإصلاح والتحرّر يبدءان بالتربية والتعليم ونشر الوعي والثقافة، وأنه لكل ذلك، لا بد من كوادر واعية ومدرّبة ومنظّمة، تشكّل النواة الأولى لنهضة شاملة وحقيقية. ولهذا، فإنه أسّس في مصر مدرسة " الدعوة والإرشاد " لتخريج الدعاة، ثم أنشأ " جمعية الشورى العثمانية "، وجلّهم من المنفيين الى مصر من مختلف الأقطار، فكانت هذه الجمعية ترسل منشوراتها الى كل البلدان، في حين كانت " المنار " تشن حملات قاسية على التتريك واستبداد الدولة وظلمها على غير صعيد. وتدعو الى الإصلاح ومواجهة الاستعمار، والدفاع عن الإسلام والعروبة.
بالإضافة الى ذلك، فما كادت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها، حتى قصد رشيد رضا سورية في أيام الملك  فيصل ابن الشريف حسين، منبهاً من اتفاقية " سايكس – بيكو "، ومحذّراً من غدر الفرنسيين والإنكليز ونواياهم بتقسيم البلاد العربية واستعمارها. وقد أتاحت له هذه الزيارة أن يكون نائب رئيس " المؤتمر السوري الفلسطيني " الذي انعقد في جنيف في آب / أغسطس عام 1921م. وهناك قابل رشيد رضا أعضاء " عصبة الأمم المتحدة "، وشرح لهم القضايا العربية، بما فيها قضية فلسطين التي كانت قد بدأت تبرز بملامحها الأولى بعد الإعلان عن وعد بلفور المشؤوم. ثم بعد ذلك، زار الهند والحجاز، ثم عاد الى مصر بعد أن انتُخب عضواً في " المجمع العلمي العربي " بدمشق.
ولأن الوحدة كانت هاجسه الأساسي، فقد اقترح رشيد رضا تأليف كتاب موحّد يقوم على الجوامع المشتركة بين السنّة والشيعة، لتذويب الفوارق الشكلية والفرعية بينهم، طالما أن الأصول والقواعد الجوهرية ليست موضع خلاف أو نقاش.
من جهة أخرى، فقد وجد رشيد رضا في القرآن الكريم، مجالاً واسعاً لآرائه الإصلاحية، متبعاً في ذلك منهج شيخه الإمام محمد عبده بشكلٍ عام. وفي الأساس، فهو قام بتكملة تفسير الإمام الذي كانت تنشره " المنار "، والذي وصل فيه الى تفسير الآية " 125 " من سورة النساء. ثم أكمله الشيخ رشيد على قاعدة الوعظ والإرشاد والهداية بأسلوبٍ ملائم لروح العصر وتطوّراته.
أما جديد تفسير المنار، فإيجاز مضموني، يثبته المؤلف، قبل الشروع في تفسير السورة، يلخّص فيه ما تحتويه من إرشاد أو وعظ، وما فيها من العقائد والأحكام، وقواعد الدين، وأصول التشريع. وهو يعطي نفسه حرية واسعة في استنباط الأحكام من القرآن الكريم، مما يجعله يخالف أحياناً جمهور الفقهاء والمفسرين القدامى.
وهكذا نجد أن النهج الثوري الذي واجه به بعض تصرفات الصوفيين، هو نفسه، نلمسه في تفسير القرآن، وفي مختلف كتاباته التي هدفت الى إحداث اليقظة الإسلامية، وإنهاض الأمّة العربية والدفاع عن حقوقها، وقراءة أمجادها وتراثها، والعودة الى الإسلام الصحيح... لمواجهة المؤامرات والمخططات الغربية التي كانت يومذاك قد بدأت تنشب أظفارها وأنيابها في جسد الأمّة العربية من المحيط الى الخليج.
أدرك رشيد رضا أبعاد هذه المؤامرات في وقت مبكر، فكتب المقالات والدراسات التي تغرس الوعي في نفوس الحكّام العرب والشعب العربي، ومنها بحث تاريخي عن الجذور التاريخية للحركة الصهيونية وأهدافها وأطماعها في فلسطين بمساندة الاستعمار الغربي، ومنها أيضاً مقالة هامة بعنوان: " ويل للعرب من شر قد اقترب ". وفيها ينبّه من خطر اليهود والحركة الصهيونية على الوطن العربي مستقبلاً، بالإضافة الى إصدار فتوى يحرم فيها بيع الأراضي لليهود في فلسطين. فيكون بذلك من أوائل من أطلقوا صيحات الحرية والجهاد والوحدة. وبقي هذا دأبه الى أن وافته المنية في القاهرة عام 1935م.


آثـــاره

ترك الشيخ محمد رشيد رضا المؤلفات التالية :
-    الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية.
-    مجلة " المنار ". احتوت على ثمار تجاربه وآرائه المتنوعة في 35 مجلداً.
-    تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده " ثلاثة مجلدات ".
-    حقوق النساء النساء في الإسلام.
-    محاورات المصلح والمقلّد.
-    الوحي المحمدي.
-    المنار والأزهر.
-    ذكرى المولد النبوي.
-    الوحدة الإسلامية.
-    يسر الإسلام واصول التشريع العام.
-    الخلافة أو الإمامة العظمى.
-    الوهابيون والحجاز.
-    السنّة والشيعة.
-    مناسك الحج " أحكامه وحكمه ".
-    تفسير المنار " إثني عشر جزءاً حتى سورة يوسف "
-    حقيقة الربا.
-    مساواة المرأة بالرجل ( حقوق النساء في الإسلام ).
-    رسالة في حجة الإسلام الغزالي.
-    المقصورة الرشيدية.
-    شبهات النصارى وحجج الإسلام.
-    الوحدة الإسلامية والأخوّة الإسلامية.



المصادر والمراجع

-    الأبيض، أنيس: رشيد رضا تاريخ وسيرة. مطبعة جروس برس،  طرابلس، 1414 هـ / 1993م.
-    إرسلان، شكيب: رشيد رضا أو إخاء أربعين عاماً. مطبعة ابن زيدون، دمشق، 1937م.
-    الجندي، أنور: أعلام وأصحاب أقلام. دار نهضة مصر، القاهرة، لا.ت.
-    رضا، محمد رشيد: تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده. ثلاثة مجلدات، مطبعة المنار، القاهرة، لا. ت.
-    رضا، محمد رشيد: تفسير المنار. إثنا عشر جزءاً، مطبعة المنار،  القاهرة، 1346هـ / 1353هـ.
-    الزركلي، خير الدين: الأعلام. ثمانية مجلدات، الطبعة الثانية عشرة، دار العلم للملايين، بيروت، 1997م.
-    سركيس، يوسف أليان: معجم المطبوعات. أحد عشر جزءاً، طبع في مصر، 1346 هـ / 1928م.
-    الشرباصي، أحمد: رشيد رضا صاحب المنار. إصدار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، لا.ت.
-    الصعيدي، عبد المتعال: المجددون في الإسلام. مكتبة الآداب، القاهرة لا.ت.
العدوي، ابراهيم: رشيد رضا الإمام المجاهد. المؤسسة المصرية العامة، القاهرة، لا.ت.