Navigation

31104369 عدد الزوار

السبت، ۲٤ حزيران/يونيو ۲۰۱۷



الأستاذ درويش التدمري

الأستاذ معتز مطرجي

المربي القدير والشاعر المجيد، معلم اللغة العربية وآدابها على امتداد خمسين سنة، هو في ذاكرة طرابلس وفي ذاكرة طلابه الكثر بكلية التربية والتعليم، هؤلاء الطلاب الذين تبوّأوا المناصب العالية والمراكز الرفيعة، وأصبحوا أعلاماً في مجتمعاتهم، لقد اصطلح طلابُه على تسميته بعاشق اللغة العربية الحريص على تراثها، لأنها إحدى وسائل وحدة العرب التي نادى بها، وقال ان الوطن العربي وحدة لا يتجزأ، وكان ينتقل في دروسه من أطر المجتمع الطرابلسي المحدود الى أفق الوطن العربي الممدود، فقد عاش طرابلسياً عربياً بأصله مهما انقسمت العروبة الى أصليْها الكبيرين قحطان وعدنان، وهو عربي مسلم مهما توزعت العروبة وتشتتت وتفرّقت في هذه الأيام الرديئة وانقسم الوطن العربي الى دول ودويلات وإمارات ومشيخات وما دون ذلك، فالعروبة عنده إيمان وعقيدة، والسبيل إليها يكون عن طريق التربية والتعليم والايمان برسالات السماء. دروسه في الأدب العربي مليئة بالعبر والمعاني، يروي النوادر والطرائف وغُر القصائد من الشعر العربي، يلقيها بأسلوبه الممتع، فيجذب إليه أسماع طلابه، وهو شديد الإعجاب بأبي العلاء المعري ونزار قباني في الوقت الذي عارض بعض قصائدهما.
ولد درويش جميل التدمري بطرابلس سنة 1901 وهو حفيد العلامة الشيخ درويش التدمري الذي عاش في القرن الثاني عشر الهجري، وآل التدمري قدماء العهد في طرابلس ورد ذكر أحدهم في كتاب "التحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية" لعلاّمة عصره الشيخ عبد الغني النابلسي، والتدمري منسوبة الى تدمر الشام وهو النطق الآرامي لكلمة تتمر العربية، ومعناها بلد التمر والنخل، والنسبة تدل على قدوم هذه الأسرة من تدمر. تلقّى دروسه الأولى في مدارس طرابلس وأنهى الثانوية في المدرسة السلطانية ثم رحل الى مصر، فدرس آداب العربية في الجامعة المصرية.
وجاء في ديوان الشعر الشمالي الذي أصدره المجلس الثقافي للبنان الشمالي سنة 1996 ان أكثر شعر درويش التدمري في الوطنيات والغزل والرثاء، وكلها ضاع إلا بعض الأبيات الحاضرة في أذهان طلابه، وقد توفي سنة 1982.
وفي حفل التأبين الكبير الذي أقيم لزميله أستاذ التاريخ في كلية التربية والتعليم فؤاد الولي نظم قصيدة طويلة هذا بعض منها:

قدرٌ أرادك يا فؤادُ مُعلّماً فجنيتَ ما أدمى الفؤادَ وحطّما
هذا سبيلٌ بالمكارهِ حافِلٌ كم هدَّ أجساداً وهَشّمَ أَعظُماَ
هذا سبيلُ ذوي الرسالاتِ الألى لاقوا كما لاقيتَ أنتَ وأعظَمَا
خمسون حَولاً في الهدايةِ عشتَها ما إن شكوتَ وأنتَ تمضغُ عَلقما
للواردين جعلتَ نفسك مَنهلاً أعظم به من مَنهلٍ شربَ الظّمَا
ونهضتَ بالأجيالِ تبني مَجدهُم بَدراً يُضيءُ هُدىً وعقلاً مُلهما

الى أن يقول:
يا واهبَ النُّورين: نور حياتهِ وضياءِ عينيه لخيرِ بني الحمى
لو كنت في بلدٍ يُعزّزُ أهلُهُ قدرَ المعلمِ قلّدُوكَ الأنجماَ
لكنها الأقدارُ يجري حُكمُها أبداً بما شاء الإلهُ وقسّما
حسبي وحسبكَ يا زميلي إننا ذُقنا الأذى وإباؤنا لم يثلما

ويختم بهذين البيتين:
إني أكادُ أراكَ في دار الرضى ولسانُ حالكَ راح يهتفُ مُرغَمَا
إن رُمتَ عن ذُلّ السؤالِ تجافياً فاربأ بنفسِكَ أن تعيشَ مُعلما

نٌشرت في جريدة البيان بتاريخ 23 أيار 2012