Navigation

35673781 عدد الزوار

الثلاثاء، ۲٤ تشرين۱/أكتوير ۲۰۱۷



الشيخ محمود منقارة

 

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

    هو واحد من هؤلاء الشيوخ الكبار ورجال الدين الكبار، الذين عملوا سنين في خدمة الشرع الشريف وسط أبناء الفيحاء، ومع إختلاف العهود خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لم يلتفت أحد الى حفظ تراث هؤلاء الرجال كاملاً، اللهم إلا من محاولات فردية خجولة لقلة من أبناء هؤلاء العلماء، هذا التراث الذي هو ثمرة جهد فكري في البحث والعطاء لمدينة العلم والعلماء.

ولا أغالي إذا قلت ان الشيخ محمود رجل دين شمولي في علمه وفكره كما في سلوكه وحياته، ثابر وتسامى وسار في طريق الحقيقة ووصل، وغلبت إجتهاداته الفقهية على ما عداها، الى جانب مساهماته الأدبية والاجتماعية، واشتراكه مع علماء عصره في محاولة بناء الانسان المسلم على أسس روحية سليمة، وذلك بالرجوع الى الأصول والمناهل، في حين أخفق العالم الآخر في هذا المضمار لإعتماده على البناء المادي للانسان وإهمال الروحي.

وفي رحلة قام بها الأديب المصري محمد عبد الجواد القاياتي الى طرابلس سنة 1885 يقول في كتابه "نفحة البشام في رحلة الشام" ما يلي: وجاءنا للسلام جملة من العلماء الاعلام والامراء الفخام منهم: الشيخ حسين أفندي الجسر، نجل العالم العامل والولي الواصل الشيخ محمد الجسر الذي اشتهر في البلاد الشامية بالكرامات الواضحة والاعمال الصالحة الى ان يقول: وكذلك حضرنا مجلس الذكر في بيت الشيخ عبد الرزاق أمام ضريح والده الشيخ محمود الرافعي، ومنهم المرشد الشهير والاستاذ الكبير أستاذنا الشيخ محمد القاوقجي، فإنه تنزل وجاءنا زائراً على ضعف قواه وعظم تقواه وتقدمه في السن وبعد منزله، ومنهم الشيخ محمود منقارة وأخوه، وهما من أهل العلم والفضل مشتغلان بالقراءة والتعليم في مدرسة من مدارس البلدة العامرة بالعلماء والطلبة، فإن مدارس طرابلس بالنسبة لغيرها من باقي مدن الشام ما عدا دمشق، معمورة مأهولة بأهل العلم، فترى غالبهم مختصاً بمدرسة لجلوسه وقراءته وتعليمه واجتماعه على إخوانه وأفدانه زيادة على اشتراكه مع أهل العلم في الجامع الكبير. وممن زارنا من أعيان طرابلس حسن أفندي كرامه أخو مفتي أفندي طرابلس حالاً.
ويذكر المؤرخ الدكتور عمر تدمري في كتابه آثار طرابلس الاسلامية ما يلي: اتخذ الشيخ محمود الصايغ دكاناً صغيراً في سوق العطارين، كان مجمعاً علمياً يتردد عليه علماء طرابلس ومفتيها وشيوخها حتى صار منتدى لهم، وكان الدكان يضيق بالشيوخ الذين تجمعهم المحبة للحاج محمود ومنهم الشيخ محمود منقارة الذي كان ضخم الجسم، يأتي من التبانة الى دكان الصايغ وهو يتصبب عرقاً في الصيف، فيجد الدكان وقد أغلق بشبكة من الخيطان مما يدل على عدم وجود صاحبه فيسرع الجيران ويرفعون ليدخل الشيخ ويجلس، وكانت كل المحلات عندما يغيب اصحابها يستعملون هذه الشبكة الخفيفة البسيطة، وهذا ان دل على شيء فإنه يدل على الامان والثقة.
ولد الشيخ محمود عبد القادر منقارة في طرابلس، ولم يؤرخ أحدٌ لسنة ولادته، ولكن معاصريه يقولون أنه عاش أكثر من مئة سنة، وكانت وفاته سنة 1932. تلقى علومه على يد الشيخ محمود نشابه ثم إلتحق بالأزهر الشريف وبرع بعلم الفقه، وتولى الإمامة والتدريس في جامع العطار، وكان من طلابه ابن خالته الشيخ محي الدين الخطيب وغيره.
ومترجمنا ينتمي الى أسرة منقارة المعروفة التي تعود بأصولها الى آل العطار في دمشق وقدوم جدهم الأعلى كان في القرن السادس عشر. ويقول معالي الدكتور سامي منقارة أنهم جاؤوا من بلدة قارة قرب النبك بين حمص ودمشق ودمجت (من) مع (قاره) فكانت منقاره، وكان الحاج عبد الله أول من قدم طرابلس يتعاطى التجارة، وأعجبته المدينة فسكن فيها وتزوج فتاة طرابلسية وتلبسه اللقب، في حين ان سميه أحمد سامي منقارة وهو الجد الأقرب كان محافظاً لجزيرة أرواد زمن العثمانيين وأصيب بالملاريا وتوفي ودفن هناك.

رحم الله الشيخ محمود الذي ترك لنا زاداً أخلاقياً كبيراً، فقد كان يؤمن بأن الدين حسن المعاملة، وكل من عرف الشيخ الفاضل يفاخر بهذه المعرفة، وأهل طرابلس كانوا يفخرون بأبنهم وشيخهم وبانتمائه الى هذا البلد.