Navigation

35673657 عدد الزوار

الثلاثاء، ۲٤ تشرين۱/أكتوير ۲۰۱۷



الشيخ منير ملك 

الأستاذ معتز مطرجي

 

    من أحاديث العرب: لا حسد إلا في اثنين، رجل آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله ملكة الخطابة وفصاحة اللسان ويعظ في الناس.

ومن الأقوال المأثورة: رحم الله عبداً قصر من لفظه، ورشق الأرض بلحظة، ووعى القول بحفظه.

والشيخ منير رحمه الله هو من هؤلاء الرجال، الذي اتصف بهذه الصفات.

لقد نضجت ثقافة مترجمنا الدينية والأدبية في ظل المجالس التي كان يحضرها في الجامع المنصوري الكبير لا سيما مجالس العلامة الشيخ محمد ابراهيم الحسيني، بحيث غدت واحات فكرية وأدبية ومدارس يتثقف فيها طالب العلم، ويتهذب فيها من رغب، وتشتد فيها عناية من يشترك، فيعظم حظه في المعرفة ويزداد علمه سعة وعمقاً. وكان لتلك المجالس تأثيراتها البالغة والمهمة.

الشيخ منير الملك، رجل الدين العالم، والأديب النثري الناظم، والصوفي التقي الذاكر، والخطيب البليغ صاحب البيان، والصحافي الناقد اللاذع، ورجل الشهامة والإغاثة والأخلاق.

ولد في طرابلس سنة 1884 وأخذ العلم عن مشايخها وقصد عاصمة الخلافة العثمانية وهو في العشرين من عمره لدراسة الحقوق، ومكث فيها ثلاث سنوات، عاد بعدها إلى طرابلس لممارسة مهنة المحاماة، ثم أصدر جريدة "المدلل" لتكون منبراً لآرائه في شؤون الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، وقد انتشرت انتشاراً واسعاً خصوصاً بعد تصديه للعلامة الشيخ عبد القادر المغربي، وشن الحملات العنيفة عليه لدعوته إلى سفور المرأة، متابعاً في ذلك خطى قاسم أمين في مصر ولمعارضته لسياسة السلطان عبد الحميد.

شارك مترجمنا في الحياة السياسية قبل الحرب العالمية الأولى وكان في صلب الأحداث العامة، فلما أعلن الفرنسيون دولة لبنان الكبير عارض بشدة انضمام طرابلس اليها وطالب بالالتحاق بالوحدة السورية في عريضة وجهها بتاريخ 14 أيار 1913 إلى رئيس المجلس النيابي يوسف نمور بإسم "الأمة الطرابلسية" تحمل توقيعه وتواقيع ثلاثة من وجهاء طرابلس هم: حسين عويضة، أحمد الرافعي وعبد اللطيف سلطان، حسبما جاء في وثائق المؤتمر العربي الأول سنة 1913. وبعد الحرب ترك المحاماة والصحافة وعُيّن مديراً للأحوال الشخصية في عكار وصافيتا، ثم نائباً للإفتاء في طرابلس، ورئيساً للمجلسين العلمي والإداري لأوقاف طرابلس الإسلامية، وإماماً للجامع الكبير في الميناء، وقد اتخذ من هذا الجامع زاوية للطريقة المولوية التي نال الإجازة فيها، فكان يربي المريدين ويشرف على حلقات الذكر التي كانت تقام في الجامع، ولعل أشهر هذه الحلقات هي التي كانت تقام في السابع والعشرين من شهر رمضان، حيث يصادف ليلة القدر، وهي ذكرى نزول الوحي على الرسول الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، كما جاء في موسوعة علماء المسلمين للمؤرخ الدكتور عمر تدمري.

لقد تأصل شيخنا في فن الكتابة والخطابة، ويُذكر أنه أنشأ بعض الخطب وهو في مقتبل العمر، وكان كلامه فيها لا يخلو من الجزالة والصفاء في شيء، وتحدث معاصروه عنه وأفردوا الصفحات، وأهم ما يمكن أن يطالعنا في خطبه أنها كانت خطباً إرشادية تعليمية تثقيفية، نحا في صياغته وأسلوبه نحو من سبقه إلى هذا الفن الذي كان شائعاً معروفاً في عصور الازدهار وغدا فيه متألقاً، وكان يشعرنا أدبه أنه ذو قدرة في تأليف معانيه واختيار ألفاظه وفي التوصّل إلى أهدافه.

في سنة 1947 توفي الشيخ محمد منير الملك، عن عمر ناهز الثالثة والستين، وكان يوم وفاته مشهوداً في تاريخ طرابلس والميناء، فأقفلت المتاجر والمعاهد والمدارس أبوابها، وأقيم له مأتم حاشد وجنازة لم تشهد طرابلس مثيلاً لها، وتبارى الخطباء في رثائه، وفي مقدمتهم سماحة الشيخ عبد القادر عويضة الذي نظم هذه الأبيات وأرّخ بحساب الأرقام الشعرية (الجُمَل):

فُجع الإسلام بالبدر المنير ملك الإرشاد والفضل الكبيرْ

من به الفيحاء والمينا معاً بهُداه حازتا الخير الكثيرْ

طُرُق القوم عليه قد بكت وهو شيخ الكل بالدمع الغزيرْ

سارت الأملاك في مشهده ومشى فيه أمير ووزيرْ

وجنات الخُلد من تاريخه في سماها أشرق البدر المنيرْ

إن أقل ما يقال في الشيخ الجليل، هو أنه شغل أذهان العامة كما شغل أذهان

رجال الدين والعلم في وقته، لأنه كان يخاطب المشاعر والأفكار والقلوب

والعقول، ويصل إلى كل نقطة تفكير أو بقعة إحساس في الإنسان. رحمه الله