Navigation

31210063 عدد الزوار

الثلاثاء، ۲۷ حزيران/يونيو ۲۰۱۷



الشيخ أنور المولوي

الأستاذ معتز مطرجي

 

    مَنَحوه لقب صاحب الرشادة، والرشادة جمع رشاد، لكبر مهمته في إرشاد الناس والدعوة الى التمسك بالأصول والذود عن أهداب الدين، حمل تاج الصوفية، وملك ناصية المشيخة المولوية.

هو وريث مدرسة متصوفة أسسها في قونية التركية جلال الدين الرومي، أمدته تعلم المريدين والسالكين والإلمام بالتراث في ينابيعه الصافية، من هذه المدرسة خرج الشيخ أنور وتخرّج، فوظف كل ما تثقّفَه من معارف الصوفية في ريادته للطريقة المولوية.

كان رحمه الله عميق الإيمان، في داخله جذوة مشتعلة تجري وتبحث وتضيء الجهات، وفي نفسه تستغرق الأوراد والتضرعات والإبتهالات.

سكن في الأماكن المرتفعة بين الأشجار والأزهار وعرائش العنب، وعلى ضفة روافد قاديشا عندما كان لنهر أبي علي جمال مسراه البندقي تحت البيوت المملوكية القديمة، والتي وصفها علاّمة عصره الرحالة عبد الغني النابلسي كجنة النعيم وقال: "فيها من الماء اللطيف البارد الذي هو شفاء لكل قلب سقيم"، وسماها الرحالة الاوروبيون الذين زاروا طرابلس بتكية الدراويش.

ولد أنور بن فؤاد بن شاكر المولوي سنة 1901م ودرس على يد والده وعلى علماء الأسرة المولوية وعلى غيرهم كالشيخ عبد اللطيف العلمي والشيخ عبد الفتاح سلهب، وتنقّل في كتاتيب ومدارس المدينة، ليقضي بعدها فترة طويلة في مجاهدة النفس واتباع رياضة روحية مع مريدي الشيخ باقر جلبي شيخ تكية حلب ورئيس التكايا المولوية في العالم الاسلامي، فنال الإجازة في الطريقة وكان محط إعجاب مشايخه.

وعند وفاة شيخ التكية حسني المولوي سنة 1936 جرى تعيين الشيخ أنور، وأبلغ الشيخ باقرجلبي المفوض السامي الفرنسي بذلك وفقاً لقوانين التكايا المولوية، وصدر الأمر بالموافقة بتاريخ 11 أيار 1936، ولا يزال كتاب المفوضية العليا محفوظاً لدى أبناء الشيخ انور، وفي التاريخ عينه حصل الشيخ أنور على كتاب من دائرة الأوقاف الإسلامية يعهد اليه بتولي شؤون التكية المولوية بطرابلس واستلام أوقافها.

لقد إزدهرت المولوية أيام الشيخ أنور، وغصّ منزول التكية بالرواد من العلماء والأدباء ورجال السياسة، ونشط في إقامة حلقات الدرس والذكر بعد عصر كل يوم جمعة، ويذكر ان آخر حفل ذِكر جرى في عهد الشيخ أنور كان سنة 1948 بطلب من رئيس الحكومة وحضور أميرال البحرية البريطانية السيد هكسلي الذي صرّح بأن جده أوصاه بحضور حلقات المولوية، ويصف الشيخ محمد رشيد رضا في المنار إحدى حلقات الذكر التي حضرها، ورأى دراويش المولوية يلبسون الغلائل البيضاء الناصعة كجلابيب العرائس، يرقصون بها على نغمات الناي الشجية، ويدورون دوراناً فنياً سريعاً تنفرج به غلائلهم، فتكوّن دوائر متقاربة على أبعاد متناسبة، لا تطغى واحدة منها على الأخرى، ويمدون سواعدهم ويميلون أعناقهم ويمرون واحداً بعد آخر فيركعون لشيخهم ويقبّلون يده.

كان الشيخ انور كما كل مشايخ المولوية يلبس طربوشاً طويلاً من اللباد محاطاً بأسفله بشريط أخضر من القماش، يتدلى في نهايته حتى يصل طرفه الى الكتف، وكان يسمى هذا الطربوش (كولاه) ويعني طربوش الصوفية.

لقد نالت الفتلة المولوية وموسيقاها شهرة عالمية، يفد الى سماعها الناس من كل حدب وصوب، ذلك أن أكثر أصحاب الطرق الصوفية يرون ان حسن الصوت من صفات الكمال الإنساني، وأن النغمة الطيبة تروح عن القلوب المحترقة بنار محبة الإله، ويعتبرون ان للموسيقى تأثيراً سحرياً على النفس، فهي علاج لكثير من الأمراض، وهي وسيلة لترقيق الطباع، وكانوا يستعملون من الآلات الطربية الشبابة (الناي) ذلك ان صوت القصب في نظرتهم يوقظ في الانسان الهيام لأصله، ويستعمل أيضاً الدف وغيرها.